نزعة الإنسان لتمجيد ذاته… الهزائم المنسية في التاريخ: فشل حصار فيينا 1683 مثالاً

يميل الإنسان بطبيعته إلى تمجيد إنجازاته وتعظيم انتصاراته، بينما يقلل من شأن هزائمه وإخفاقاته، أو حتى يتجاهلها تمامًا. هذه النزعة تتجلى بوضوح في السرديات التاريخية للأمم، فالتاريخ الرسمي غالبًا ما يكتظ بذكر الفتوحات والانتصارات، في حين تُهمَّش الهزائم وتُنسى.
عندما يُذكر الفشل، تُقدَّم تبريرات مقنعة تُحمّل المسؤولية لأطراف خارجية، أو لظروف قاهرة، بهدف الحفاظ على السمعة التاريخية للأمة.
يُعَدُّ الاستعمار مثالًا صارخًا على هذه النزعة. فقد برر المستعمرون الأوروبيون جرائمهم الوحشية بأنها كانت أعمالًا ضرورية لنشر “الحضارة” بين الشعوب “الهمجية”. ففي أمريكا الشمالية، برر المستعمرون الأوروبيون جرائمهم بأنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم ضد القبائل التي تقف في وجه مشروعهم “النهضوي”. وكذلك في الهند، بررت بريطانيا جرائمها، وفي الجزائر، بررت فرنسا أعمالها الوحشية، وفي الكونغو، بررت بلجيكا أعمالها، وفي الحبشة، بررت إيطاليا جرائمها.
يعكس حصار فيينا عام 1683 بوضوح هذه النزعة التاريخية. فالمؤرخون الأتراك يرفضون الإقرار بضعف الجيش العثماني أو سوء القيادة كسبب للفشل. وبدلًا من ذلك، يُرجعون الهزيمة إلى أسباب خارجية، مثل:
* الخيانة: يُحمَّل الصدر الأعظم، قره مصطفى باشا، مسؤولية سوء التخطيط، ويُتَّهم خان القرم، مراد كراي، بالخيانة.
* التضاريس الصعبة: تُذكر وعورة الأراضي النمساوية كعقبة حالت دون تقدم الجيش.
* وصول الإمدادات الأوروبية: يُبرَّر الفشل بوصول تعزيزات عسكرية من الدول الأوروبية إلى المدينة المحاصرة.
هذه التبريرات، رغم أنها قد تحتوي على بعض الحقائق الجزئية، إلا أنها لا تُعَدُّ إلا محاولة لتجاهل الأخطاء الاستراتيجية والقيادية.
إن الإقرار بالهزيمة، وتحليل أسبابها، هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء القوة وتجنب الأخطاء في المستقبل. فعدم إقرار القيادة العثمانية بمسؤوليتها عن فشل حملة فيينا أدى إلى استمرار الأخطاء، مما كان له أثر بالغ في انحسار نفوذ الدولة العثمانية في أوروبا تدريجيًا، وصولًا إلى هزيمتها التاريخية في الحرب العالمية الأولى.
فلو أن الدولة العثمانية أقرت بمسؤوليتها التاريخية، وقامت بمحاسبة القادة العسكريين، وأعادت هيكلة الجيش، لكانت قد تجنبت هزائم لاحقة، ولربما كان التاريخ قد كتب نهاية مختلفة لهذه الإمبراطورية العظمى.

أضف تعليق