المشروع المعرفي لإدوارد ويلسون بين علم الاجتماع البيولوجي ووهم الحسم العلمي

يُعَدُّ إدوارد ويلسون (Edward O. Wilson) أحد أبرز علماء الأحياء والاجتماع الذين حاولوا مدّ الجسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية عبر مشروع طموح حمل عنوان “علم الاجتماع البيولوجي” (Sociobiology). منذ سبعينيات القرن العشرين، أخذ مشروعه يثير جدلاً واسعاً بين أنصار الاختزال البيولوجي للظاهرة الإنسانية وبين نقّاد يرون أن الإنسان لا يمكن تفسيره بوصفه امتداداً مباشراً للحيوان. وقد تبلور هذا المشروع في ثلاثة من كتبه الأشهر:
Sociobiology: The New Synthesis (1975)
On Human Nature (1978)
Consilience: The Unity of Knowledge (1998)
وإذا كانت أعماله قد تميزت بجرأة الطرح ووضوح الرؤية، فإنها وقعت في مأزقٍ معرفيٍّ عميق يتعلق بمسألة العدوان البشري، الذي اعتبره نزعةً طبيعيةً ذات أصل حيواني تراجعت تدريجياً مع نشوء الاجتماع البشري. بيد أن شواهد التاريخ والأنثروبولوجيا تقدّم صورةً مغايرة تماماً، حيث يبدو الإنسان الكائن الأكثر عدوانية على وجه الأرض.
أصدر ويلسون عام 1975 كتابه Sociobiology: The New Synthesis، الذي مثّل الإعلان الرسمي عن مشروعه. وقد انطلق فيه من فرضية داروينية تقضي بأن السلوك الاجتماعي للإنسان، مثلما هو عند الحيوان، يخضع لآليات الاصطفاء الطبيعي. وهنا برزت أطروحته المركزية: أن العدوان نزعة متأصلة في الإنسان بوصفه حيواناً تطورياً.
غير أن ويلسون ذهب إلى أبعد من مجرد التشخيص، حيث رأى أن انتقال الإنسان من نمط معيشي يعتمد على الطبيعة المباشرة (الصيد والجمع) إلى نمط اجتماعي-ثقافي قائم على التنظيم السياسي والاقتصادي، قد فرض عليه التخلي التدريجي عن بعض مظاهر عدوانيته. فالاجتماع البشري – وفق طرحه – يقتضي التعاون وضبط الغرائز، وهو ما وفر أرضيةً للتطور الحضاري.
لكن هذه الفرضية، رغم جاذبيتها المنطقية، تتهاوى أمام الأدلة التاريخية: فالتاريخ الإنساني لم يكن مجرد مسار من التراجع في العدوانية، بل على العكس، عرف تصعيداً مستمراً لها عبر الحرب المنظمة، والاستعباد، والإبادة الجماعية.
في On Human Nature (1978)، سعى ويلسون إلى تطبيق المنهج البيولوجي على ميادين أكثر تعقيداً: الدين، الأخلاق، السياسة، والجنس. هنا كرر مقاربته لمسألة العدوان، مؤكداً أن النزعة العدوانية في أصلها طبيعية، لكنها فقدت الكثير من حدتها بفعل التطور الاجتماعي والثقافي.
غير أن هذا التفسير يواجه مأزقاً مزدوجاً:
أنثروبولوجياً: إذ تبيّن الشواهد أن المجتمعات الإنسانية لم تشهد انحداراً في العدوانية مع تطورها، بل تحولت العدوانية إلى أنماط أكثر تنظيماً وتعقيداً.
تاريخياً: فالحروب الحديثة، من الحربين العالميتين إلى النزاعات المعاصرة، تقدم دليلاً على أن العدوانية الإنسانية لم تتراجع، بل بلغت مستويات لم يعرفها أي كائن آخر.
وبذلك يبدو أن ويلسون أعاد إنتاج الفرضية ذاتها من دون مراجعة حقيقية لمعطيات التاريخ والأنثروبولوجيا.
مع كتابه Consilience: The Unity of Knowledge (1998)، حاول ويلسون أن يوسّع مشروعه إلى أفق فلسفي ومعرفي شامل. فقد طرح فكرة “التوليف المعرفي” (Consilience)، أي توحيد فروع المعرفة الإنسانية ضمن إطار واحد أساسه العلم الطبيعي. وذهب إلى أن العلم وحده يكفي لتفسير جميع ظواهر الوجود، بما في ذلك الظاهرة الإنسانية.
إلا أن هذا الطرح ينطوي على مشكلتين:
منهجياً: لأن العلم الطبيعي لم ينجح في تقديم تفسير كافٍ للعدوان البشري، وهو ما يفرغ ادعاء التوحيد من محتواه.
فلسفياً: لأن اختزال الظاهرة الإنسانية إلى مجرد امتداد للظواهر الطبيعية يغفل الأبعاد الرمزية والثقافية والمعنوية التي لا يمكن للعلم وحده الإحاطة بها.
يمكن القول إن موضوع العدوان البشري يمثل “الحجر الكاشف” لمشروع ويلسون. فهو من جهة أدرك بدقة جذوره الحيوانية، لكنه من جهة أخرى وقع في مغالطة حين افترض أن هذه النزعة تراجعت مع تطور الاجتماع البشري.
لقد أثبتت الوقائع أن الإنسان لم يفقد عدوانيته الحيوانية، بل ضاعفها كماً وكيفاً:
على المستوى الفردي، عبر أشكال العنف والجريمة.
وعلى المستوى الجماعي، عبر الحروب والإبادات المنظمة.
وعلى المستوى الكوني، عبر عدوانيته ضد الطبيعة نفسها.
إن هذا الانحراف الجذري لمسار العدوان عند الإنسان مقارنة بالحيوان يكشف عن حدود المقاربة الداروينية، ويجبرنا على التفكير في “حدث مفصلي” غيّر مسار تطور الإنسان، جعله أكثر الكائنات عدوانية وتهديداً لنفسه وللطبيعة.
أثار مشروع ويلسون انتقادات واسعة من جهات متعددة:
علماء الاجتماع: لرفضهم اختزال السلوكيات الإنسانية إلى جذور بيولوجية فقط.
الفلاسفة: لاعتراضهم على وهم الاكتفاء بالعلم في تفسير الظواهر المعقدة.
الأنثروبولوجيون: لتأكيدهم أن الثقافة والتاريخ أنتجا أنماطاً للعدوان لا يمكن ردّها إلى الطبيعة وحدها.
ويبدو أن مشروع “التوليف الجديد” الذي بشّر به ويلسون يظل مشروعاً ناقصاً، لأنه لم يستطع أن يفسر أبرز الظواهر الإنسانية التي ادّعى الإحاطة بها.
تكشف قراءة أعمال إدوارد ويلسون الثلاثة أن مشروعه في “علم الاجتماع البيولوجي” قام على فرضية مركزية هي إرجاع السلوك الإنساني – وفي مقدمته العدوان – إلى أصوله الحيوانية. غير أن هذه الفرضية لم تصمد أمام الأدلة التاريخية والأنثروبولوجية التي تؤكد أن الإنسان لم يتراجع عن عدوانيته بل ضاعفها.
وبذلك يتضح أن الإنسان ليس امتداداً مباشراً لمسار الحيوان، بل كسرٌ لمساره الطبيعي. وإن أي محاولة لاختزال الظاهرة الإنسانية في العلم وحده محكومة بالفشل. فالظاهرة الإنسانية أعقد من أن تُختزل في تفسير بيولوجي أو طبيعي، وهي تستلزم تعددية معرفية وفلسفية تتجاوز حدود ما يمكن للعلم وحده أن يقدّمه.

أضف تعليق