شيءٌ من تاريخ الصراع العثماني-الأوروبي قبل حصار فيينا عام 1683

نشأت الدولة العثمانية في أواخر القرن الثالث عشر كإمارة صغيرة على أطراف الأناضول، وسرعان ما تحوّلت في غضون قرنين إلى إمبراطورية مترامية الأطراف تمتد من آسيا الصغرى إلى البلقان، ومن شمال أفريقيا إلى تخوم الخليج. وقد شكّل فتح القسطنطينية سنة 1453 على يد السلطان محمد الفاتح منعطفًا حضاريًا وعسكريًا حاسمًا؛ إذ دشّن مرحلة السيطرة العثمانية على المشرق والبلقان، وأدخل الدولة إلى قلب النظام الأوروبي كقوة رئيسة.
اعتمدت الإمبراطورية في توسعها على نموذج مركب يجمع بين القوة العسكرية (خصوصًا فرق الإنكشارية) وبين جهاز إداري مرن يسمح بدمج الشعوب والأديان المختلفة في إطار “المِلل”، وهو ما أتاح للدولة أن تحافظ على تماسك داخلي نسبي رغم اتساعها الجغرافي. لكن هذا الاتساع جعلها أيضًا في مواجهة مباشرة مع القوى الأوروبية الكبرى، لا سيما آل هابسبورغ الذين حكموا النمسا والمجر وأجزاء واسعة من وسط أوروبا.
شكّل التنافس بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الهابسبورغية جوهر الصراع على أوروبا الوسطى طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر. فمنذ معركة موهاكس سنة 1526، التي كرّست النفوذ العثماني في المجر، ظلّت فيينا هدفًا استراتيجيًا للعثمانيين باعتبارها بوابة التوغّل في قلب القارة. وقد تجسّد هذا الطموح في محاولتين كبريين:
الحصار الأول (1529): بقيادة السلطان سليمان القانوني، الذي فشل في اختراق أسوار فيينا نتيجة الظروف المناخية وتعذُّر الإمداد.
الحصار الثاني (1683): بقيادة الوزير الأعظم قرة مصطفى باشا، الذي حشد قوة هائلة قدرت بنحو 150 ألف جندي، في محاولة لتوجيه ضربة قاصمة للإمبراطورية الهابسبورغية.
تزامنت هذه الصراعات مع تحولات كبرى في أوروبا:
الإصلاح الديني (البروتستانتي والكاثوليكي): والذي أنتج انقسامات داخلية استغلها العثمانيون أحيانًا عبر سياسة التحالف مع القوى المعادية للهابسبورغ (مثل فرنسا).
التطور العسكري والتكنولوجي: الذي جعل الحرب أكثر كلفة وتعقيدًا، خصوصًا مع إدخال المدفعية الثقيلة وتقنيات التحصين الحديثة.
بداية صعود روسيا القيصرية: وهو ما أضاف جبهة جديدة للتحديات العثمانية شرقًا.
في ضوء هذه الخلفية، لم يكن حصار فيينا سنة 1683 مجرد معركة عسكرية، بل كان اختبارًا حاسمًا لموازين القوى في أوروبا. نجاح العثمانيين كان سيعني تثبيت حضورهم في قلب القارة لعقود وربما قرون، بينما فشلهم شكّل بداية العدّ التنازلي لتفكك إمبراطورية مترامية الأطراف لم تعد قادرة على مواكبة تحولات أوروبا الحديثة.

أضف تعليق