في معنى “عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا” في سورةِ يوسف

تذرَّعَ إخوةُ يوسف بما توهَّموه من إيثارِ سيدِنا يعقوب ليوسف وأخيه عليهم ليُسوِّغوا بذلك لما كانوا قد عقدوا العزمَ على القيامِ به من إبعادٍ ليوسف عن أبيه، ليخلوَ لهم بذلك وجهُ أبيهم: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) (8- 9 يوسف).
وهذا الوهم هو كلُّ ما اقتضاه الأمرُ حتى ينزغَ الشيطانُ بينهم وبين أخيهم يوسف. ونزغُ الشيطانِ بين بَني آدم حقيقةٌ من حقائقِ القرآنِ العظيم: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (53 الإسراء). وهذا النزغُ هو ما أشارَ إليه سيدُنا يوسف: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ( (100 يوسف).
وهنا تجدر الإشارةُ إلى أنَّ سيدَنا يوسف، ومن بابِ أدبِه الجَم وما كان عليه من خُلُقٍ عظيم، قد وصفَ نزغَ الشيطان بأنه كان “بَيْنه وَبَيْنَ إِخْوَتِه”، ولم يقل بأنه كان “بين إخوته وبينه”. وفي هذا إمعانٌ من جانبِه في تذكيرِ إخوتِه بما كان قد خالطَ حُكمَهم عليه من وهمٍ كبير، وهو أمرٌ كان قد سبقه إليه سيدُنا يعقوب بقولِه: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا) (من 83 يوسف)، وذلك في إشارةٍ منه إلى يوسف وأخيه وكبيرُ بَنيه: (قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين) (من 80 يوسف). فالذي كان يعلمُه سيدُنا يعقوب هو أنه قد فقدَ ثلاثةً من بَنيه: يوسفَ وأخاه وابنَه الأكبر الذي أبى أن يعودَ إلى أبيه إلا إذا أذن له أو حكمَ اللهُ له ببراءتِه من التآمرِ على أخوَيه.

أضف تعليق