
اقتضت الخطةُ الإلهية، التي أرادَ اللهُ تعالى أن يُغيِّرَ بها مجرى التاريخ ويصيغَ بذلك مستقبلاً جديداً مازالت تجلياتُه تتجددُ كلَّ يوم، أن يفارقَ النبيُّ يوسف أباه وإخوتَه، وأن يؤخذَ إلى مصرَ، وهو لما يزل طفلاً صغيراً. ولقد جرَّ هذا الأمرُ على النبيِّ يعقوب من عظيمِ العناء ما جعل عينَيه تبيضان من الحزن بعد سنواتٍ طوال على ذلك الفراق: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (84- 86 يوسف).
فما الذي كان يعلمُه النبي يعقوب بشأنِ يوسف ولم يكن يعلمُه بَنوه؟
هنا تجدرُ ملاحظةُ أنَّ عبارةَ “أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”، في الآيةِ الكريمة 86 من سورةِ يوسف أعلاه، قد وردت مرةً أخرى في الآيةِ الكريمة 96 من سورةِ يوسف، وذلك من بعدِ أن جاء البشيرُ بقميصِ النبي يوسف: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
يبيِّنُ لنا تدبُّرُ المرتين اللتين وردت فيهما عبارة “أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ” أنَّ النبيَّ يعقوب قد واظبَ على ترديدِ هذه العبارة على مسامعِ بَنيه وأهلِه مراتٍ عدة، وأنَّ الذي كان يعلمُه بشأنِ ابنِه يوسف كان يتعارضُ مع ما كان يعرفُه بَنوه بشأنِ مصيرِه. فسيدُنا يعقوب كان “يعلمُ من الله” أنَّ ابنَه يوسف كان على قيدِ الحياة، وذلك خلاف ما أكده له بنوه. فلماذا كان النبيُّ يعقوب حزيناً كلَّ هذا الحزن على يوسف إذاً؟
يكفلُ لنا تدبُّرُ ما قصَّه علينا القرآن بشأنِ التركيبةِ الوجدانية-العاطفية للنبي يعقوب أن نستيقنَ من أنَّ العلةَ من وراءِ حزنِه الشديد على ابنِه يوسف تكمنُ في عدمِ قدرتِه على رؤيتِه؛ فكلُّ ما كان يعلمُه النبيُّ يعقوب “من الله” بخصوصِ ابنِه يوسف هو أنه لا يزال على قيدِ الحياة، وهو لا يدري متى سيلتقيه أو إن كان مقدراً له أن يلتقيه أصلاً، الأمر الذي لم يكن ليطيقَه النبي يعقوب إلا بشقِّ الأنفس، وذلك بحكمٍ من طبيعةِ تركيبتِه الوجدانيةِ-العاطفيةِ هذه.
