ظواهرُ التزامن خيرُ رفيقٍ للإنسان في رحلةِ بحثِه عن المعنى

الإنسانُ كائنٌ باحثٌ عن المعنى بحكمٍ من تركيبتِه التكوينية التي تمايز بها عن الحيوان. فالإنسانُ يبحثُ عن المعنى في كلِّ ما يحيطُ به، ويجري له، وذلك في محاولةٍ من جانبِه لصياغةِ تصورٍ عن الوجود يُيسِّرُ له تقبُّلَ حتمياتِه وغوامضَه ويكفلُ له بالتالي أن يستشعرَ أماناً، وإن كان متوهَّماً، يصبِّرُه على ما هو فيه من حالٍ هو في الغالبِ متعارِضٌ مع مطامحِه ومطامعِه. وبسببٍ من عجزِ الإنسان عن أن يعيشَ حياتَه مبرَّءاً من السعي وراء المعنى، فإنَّ هذا العجزَ لن يجعلَ سعيَه يتكلَّلُ بالضرورة بوقوعِه على “المعنى الحقيقي” للحياة، ولِما يلزم عنه من تبيانٍ لدورِه “القدَري” فيها. وهذا العجز سيتجلى أيضاً في ظهورِ سيناريوهات لا تُحصى لمعنى الحياة ولِما ينبغي أن يكونَ عليه دورُ الإنسانِ فيها. فالإنسانُ قد فقدَ علاقتَه الطبيعية بنوعِه البشري يومَ خرجَ على الطبيعة بفردانيةٍ تضطرُّه لوجوبِ أن تكونَ إرادتُه، وكلُّ ما يندرجُ في سياقِ ما هو موصولٌ بها، فوق إرادةِ النوعِ البشري. وهذا أمرٌ خالف الإنسانُ به ماضيه التطوري يومَ كان مفردةً من مفرداتِ عالَمِ الطبيعة الذي تسودُه قوانينٌ تحتِّمُ على الفردِ أن يضعَ إرادتَه رهنَ تصرُّفِ النوع.
ولأنَّ الإنسانَ عاجزٌ، بحكمِ تركيبتِه التكوينية “غيرِ الطبيعية”، عن التوقف عن البحثِ عن المعنى، الأمرُ الذي لابد وأن ينتهيَ به، في الغالبِ الأعم، إلى الوقوعِ في متاهاتِ المعنى المتخيَّل والمتوهَّم، وبما ينعكسُ عليه وجوباً بأن يبقى مأزوماً بسببٍ من تصارعِ أوهامِه، فإنَّ الحلَّ الوحيدَ الذي بمقدورِه أن يأخذَ بيدِه على الطريقِ الذي يُوصِلُه إلى تبيُّنِ المعنى الحقيقي للوجود، ولدورِه فيه، يكمن في تدبُّرِ القدرةِ العلاجيةِ الفذة لظواهرِ التزامن، والتي كان عالِمُ النفسِ السويسري كارل يونغ أولَ مَن قام بتشخيصِها، وذلك بملاحظتِه الدقيقة والصائبة لما حدث لبعضٍ من مرضى العصاب الذين كان مكلَّفاً بعلاجِهم، عندما شهدوا ظواهرَ تزامنٍ لا يملكُ المنطقُ العقلي حيالها غيرَ أن يُقِرَّ بأن هنالك “شيئاً ما” هو الذي قام “بهندسة” وإبداع هذا المشهد التزامني المحمَّل برسالةٍ ليس بالعسيرِ تبيُّنُ مضامينِها، فحواها أنَّ هنالك أسراراً في الوجودِ وخفايا غامضة ينبغي على الإنسانِ أن يوليها ما تستحقُّ من اهتمام لأنها وحدَها القادرة على أن تنتشلَه من ضياعِه النفسي إذ أنها تجلِّي له مدى تفاهةِ وضآلةِ مشاعرِه التي أوصله إلى الحضيضِ النفسي تمكينُه لها من التحكُّمِ بعقلِه وقلبِه. فظواهرُ التزامن، بهذا المعنى الوجودي العميق الذي تنطوي عليه، بمقدورِها أن تمدَّ يدَ العون للإنسان إذ تؤكِّدُ له أنَّ هنالك قوةً في الوجود قادرةً لا على أن “تهندس” هذا المشهدَ التزامني العجائبي فحسب، ولكنها قادرةٌ أيضاً على أن تأخذَ بيدِه لما فيه خيرُه وصلاحُه.

أضف تعليق