علم الاجتماع البيولوجي بين مطرقة الطبيعة وسندان الأوهام

يُعَدُّ إدوارد ويلسون (Edward O. Wilson) من أبرز علماء الاجتماع البيولوجي الذين سعوا إلى مدّ الجسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية من خلال مشروعه الطموح المتمثل في “علم الاجتماع البيولوجي” (Sociobiology). وقد تجلى هذا المشروع في ثلاثة من كتبه الأشهر:
Sociobiology: The New Synthesis (1975)
On Human Nature (1978)
Consilience: The Unity of Knowledge (1998)
وعلى الرغم من الجاذبية التي اتسمت بها أطروحاته، فإن مشروعه وقع في إشكالات نظرية عميقة، كان أبرزها مقاربته لظاهرة العدوان البشري، التي اعتبرها امتداداً طبيعياً للنزعة الحيوانية، مع افتراضه أنها تراجعت مع تطور الاجتماع الإنساني. غير أن الشواهد التاريخية والأنثروبولوجية تقدم صورة مختلفة تماماً، تجعل من الإنسان الكائن الأكثر عدوانية على وجه الأرض.
أصدر ويلسون عام 1975 كتابه Sociobiology: The New Synthesis، ليؤسس من خلاله فرعاً معرفياً يردّ السلوك الاجتماعي الإنساني إلى آليات الاصطفاء الطبيعي. وذهب فيه إلى أن العدوانية نزعة متأصلة في الإنسان منذ أصله الحيواني، لكنها أخذت في التراجع مع الانتقال إلى أنماط المعيشة الاجتماعية المنظمة التي فرضت التعاون وضبط الغرائز.
لكن هذه الأطروحة – رغم جاذبيتها – وُوجهت بانتقادات شديدة من علماء الاجتماع والفلاسفة؛ إذ رأوا فيها اختزالاً للظاهرة الإنسانية في بعدها الطبيعي، وإغفالاً لأبعادها الرمزية والثقافية (Gould, 1977؛ Lewontin, 1982). كما أظهرت الدراسات التاريخية أن مسار العدوان البشري لم يكن تراجعياً بل تصاعدياً، وأن التنظيم الاجتماعي لم يُلغِ العدوانية بل منحها أدوات أكثر تنظيماً وفتكاً.
في On Human Nature (1978)، وسّع ويلسون مشروعه ليشمل ميادين الدين والأخلاق والسياسة. غير أنه كرر الأطروحة نفسها بشأن العدوان: نزعة طبيعية تراجعت بفعل الاجتماع والثقافة.
وقد انتقد بيتر سنجر (Singer, 1999) هذا الطرح مؤكداً أن النزعات الأخلاقية أو العدوانية عند الإنسان لا يمكن ردّها إلى أصول بيولوجية فقط، بل هي نتاج مركب للتاريخ الاجتماعي والثقافي. أما ستيفن جاي غولد فقد ذهب إلى أن ويلسون وقع في “الحتمية البيولوجية” التي تتجاهل قدرة الإنسان على الفعل الرمزي وإعادة تشكيل واقعه (Gould, 1978).
في Consilience: The Unity of Knowledge (1998)، حاول ويلسون أن يوسّع مشروعه ليشمل وحدة جميع المعارف الإنسانية تحت لواء العلم. واعتبر أن العلم وحده قادر على تفسير الوجود كله، بما في ذلك الظاهرة الإنسانية.
لكن هذا الطرح وُوجه أيضاً بانتقادات واسعة. فقد أشار ريتشارد ليونتن (Lewontin, 1991) إلى أن اختزال المعرفة الإنسانية في التفسير العلمي يفضي إلى “وهم الشمولية”، الذي يتجاهل الأبعاد الفلسفية والتاريخية والمعنوية للإنسان.
مثّلت مسألة العدوان البشري “الاختبار الحاسم” لمشروع ويلسون. فهو أصاب في تشخيص الجذور الحيوانية للعدوان، لكنه أخطأ في زعمه بتراجعها مع الاجتماع.
فالتاريخ يبين أن العدوان لم يتراجع، بل تضاعف كماً وكيفاً:
على المستوى الفردي: في أشكال الجريمة والعنف اليومي.
على المستوى الجماعي: في الحروب والإبادات المنظمة.
على المستوى الكوني: في عدوان الإنسان على البيئة والطبيعة.
وهذا الانحراف الجذري لمسار العدوان مقارنة بالحيوان يجعل من الصعب تفسير الظاهرة الإنسانية بمنطق دارويني صرف، ويكشف أن تطور الإنسان لم يكن استمراراً للمسار الطبيعي بل انقطاعاً عنه.
تتضافر مواقف النقاد لتبين قصور مشروع ويلسون:
علماء الاجتماع: لرفضهم الحتمية البيولوجية (Lewontin, 1982).
الفلاسفة: لرفضهم وهم الاكتفاء بالعلم في تفسير الظواهر الإنسانية (Midgley, 1979).
الأنثروبولوجيون: لتأكيدهم أن الثقافة تنتج أنماطاً فريدة للعدوان تتجاوز الأصل الحيواني.
وبذلك يتبين أن مشروع “التوليفة الجديدة” الذي دعا إليه ويلسون يظل مشروعاً ناقصاً، لأنه لم ينجح في تفسير أبرز الظواهر التي أراد ردّها إلى الأصل الحيواني.
إن القراءة النقدية لكتب ويلسون الثلاثة تكشف أن أطروحته عن العدوان البشري – رغم أصالتها في التشخيص – انهارت أمام شواهد التاريخ والأنثروبولوجيا. فالإنسان لم يتراجع عن عدوانيته الحيوانية، بل زادها كماً وكيفاً، وأصبح الخطر الأكبر على ذاته وعلى الطبيعة. ومن هنا يبدو أن مشروع “التوليف المعرفي” الذي دعا إليه، والقائم على اختزال الظاهرة الإنسانية في العلم وحده، محكوم عليه بالقصور. فالإنسان أكثر تعقيداً من أن يُختزل في تفسير بيولوجي أو طبيعي، وهو يستلزم مقاربة معرفية متعددة الأبعاد تتجاوز حدود العلم وحده.

• Wilson, E. O. Sociobiology: The New Synthesis. Harvard University Press, 1975.
• Wilson, E. O. On Human Nature. Harvard University Press, 1978.
• Wilson, E. O. Consilience: The Unity of Knowledge. Knopf, 1998.
• Gould, S. J. Ever Since Darwin. Norton, 1977.
• Gould, S. J. “Sociobiology: The Art of Storytelling.” New Scientist, 1978.
• Lewontin, R. Biology as Ideology: The Doctrine of DNA. HarperPerennial, 1991.
• Lewontin, R. Human Diversity. Scientific American Library, 1982.
• Midgley, M. Sociobiology: The Debate Continues. Philosophy, 1979.
• Singer, P. A Darwinian Left: Politics, Evolution, and Cooperation. Yale University Press, 1999.

أضف تعليق