
بالغَ كفارُ قريش في تنويعِ اشتراطاتِهم على النبي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم حتى يؤمنوا بما جاءهم به من عندِ الله. ومن هذه الاشتراطات قولُهم بأنهم لن يؤمنوا له إلا إذا أُنزِلَ عليه ملَك: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) (من 8 الأنعام). وبهذا المعنى أيضاً نقرأُ قولَه تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) (من 12 هود).
ولقد تضمَّنَ تفنيدُ اللهِ تعالى لهذا الاشتراطِ المُجحِف، والمفتقر إلى المنطقِ السليم، أنَّ اللهَ لو أرادَ أن يُنزِلَ مع رسولِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم ملَكاً لجعلَه رجلاً. وهذه حقيقةٌ من حقائقِ القرآن بالإمكانِ تبيُّنُها بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (24- 25 الذاريات).
2- (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (77 هود).
3- (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (16- 17 مريم).
فالملائكةُ الذين أرسلهم اللهُ تعالى إلى النبي إبراهيم إذاً جعلهم اللهُ يبدون للناظرِ إليهم رجالاً لا تمايزَ بينهم وبين أي رجالٍ آخرين. والنبي لوط لم يكن ليعلمَ أنَّ ضيوفَه الذين جاؤوا بغتةً كانوا ملائكةً أرسلهم اللهُ إليه في هيأةِ بشر. وجبريلُ لما أرسله اللهُ إلى السيدةِ مريم “تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا”. ولذلك فالملائكةُ الذين كان كفارُ قريش يشترطون أن ينزلَهم اللهُ على النبي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم حتى يؤمنوا، كانوا ليبدوا للناظرِ إليهم رجالاً كغيرِهم من الرجال.
وبذلك يتبيَّنُ لنا أن حجةَ كفارِ قريش داحضةٌ مفنَّدة أما وأنَّ الإنسانَ لا قدرةَ له على أن يرى الملائكةَ على ما هم عليه حقاً، وأنَّ السبيلَ الوحيدَ ليُبصرَهم هو بأن يتمثلوا للناظرِ إليهم بشراً أسوياء. فكيف يكونُ بعدها تنزيلُ اللهِ تعالى ملائكةً على رسولِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم آيةً تكفي كفارَ قريش ليؤمنوا به؟!
