هزيمة العثمانيين عند أبواب فيينا عام 1683 وبداية انحسار التواجد العثماني في أوروبا

مع بداية صيف 1683، تقدّمت الجيوش العثمانية بقيادة الوزير الأعظم قرة مصطفى باشا نحو الأراضي النمساوية في حملة ضخمة تعدّ الأكبر من نوعها في تاريخ الصدام العثماني–الأوروبي. ضمّ الجيش العثماني قوات قدرت بنحو 150 إلى 170 ألف مقاتل، مدعومة بوحدات إنكشارية ومدفعية ثقيلة، إلى جانب قوات مساعدة من الإمارات التابعة في البلقان. كانت الخطة تقضي بتطويق مدينة فيينا حصارًا كاملًا وعزلها عن محيطها، لإجبارها على الاستسلام بعد قصف مكثف يفتح ثغرات في تحصيناتها.
في المقابل، كانت فيينا محصّنة بتحصينات حديثة على النمط الإيطالي (trace italienne)، وقُدِّر عدد المدافعين فيها بنحو 15 ألف جندي فقط. ومع ذلك، فقد صمدت المدينة لشهور بفضل التصميم الدفاعي المحكم، والإمدادات التي تسللت إليها رغم الحصار.
الحدث المفصلي وقع في 12 أيلول/سبتمبر 1683، حين وصلت قوات إغاثة أوروبية بقيادة الملك البولندي يان سوبيسكي، مدعومة بجيوش الإمبراطورية الرومانية المقدسة وقوات ألمانية وبافارية. بلغ مجموع القوات الأوروبية نحو 70 ألف جندي، بينهم 20 ألف فارس بولندي عُرفوا بـ”الهوسار المجنّح”، الذين شنّوا هجومًا مضادًا كاسحًا على الجناح العثماني.
كان انهيار الصفوف العثمانية سريعًا، إذ لم يتمكن قرة مصطفى باشا من إعادة تنظيم قواته في مواجهة الهجوم المفاجئ. تحوّل الانسحاب إلى هزيمة مدوّية، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الجنود وفقدان العتاد والمدفعية. لم تخسر الدولة العثمانية معركة فحسب، بل خسرت هيبتها العسكرية التي تراكمت على مدى قرنين.
ولقد تمخضت عن هذه الهزيمة جملة من النتائج الكارثية بالإمكان اجمالها في ما يلي:
1.عسكريًا: تراجعت الجيوش العثمانية إلى البلقان، وتحوّلت المبادرة الاستراتيجية إلى يد التحالف الأوروبي.
2. سياسيًا: انطلقت حرب “التحالف المقدس” (1684–1699)، التي ضمّت النمسا، بولندا، البندقية، وروسيا لاحقًا، وأجبرت العثمانيين على القتال على عدة جبهات في وقت واحد.
3. إقليميًا: انتهت الحرب بمعاهدة كارلوفيتش (1699) التي تنازلت بموجبها الدولة العثمانية عن المجر وأجزاء واسعة من البلقان للنمسا، في أول خسارة إقليمية كبرى مهدت لانحسار نفوذها الأوروبي.
يمكن القول إن هزيمة العثمانيين على أبواب فيينا دشّنت مرحلة “التراجع الطويل” التي استمرت حتى انهيار الدولة في الحرب العالمية الأولى. ومن أبرز معالم هذا التراجع:
1. فقدان المبادرة العسكرية: لم تعد الدولة العثمانية قادرة على التوسع في أوروبا، بل بدأت تدافع عن حدودها.
2. تفاقم الأزمة المالية: الإنفاق العسكري الهائل، مقترناُ مع خسارة موارد المجر والبلقان، عمّق مديونية الباب العالي للمصارف الأوروبية.
3. الخلل البنيوي: الهزيمة أظهرت بوضوح أن نموذج التنظيم العسكري العثماني (الإنكشارية، نظام الإقطاع العسكري “التيمار”) قد أصبح متقادماً مقارنة بالابتكارات العسكرية والتنظيمية في أوروبا.
لم تكن فيينا مجرد مدينة أوروبية صمدت في وجه الحصار؛ بل غدت رمزًا لانكسار المشروع العثماني في قلب القارة الأوروبية. فقد شكّل فشل الحملة نهايةً رمزية لعصر الفتوحات الكبرى، وبداية لعصر الدفاع المتعثّر عن الإمبراطورية العثمانية. وعلى المستوى الأوروبي، كان الانتصار حافزًا لتسريع مشروع “توازن القوى” الذي سيحدد ملامح القارة في القرون التالية.
إن ما تقدم يمثل الأساس التاريخي لانعطافة 1683 باعتبارها لحظة مفصلية في التاريخ العثماني والتاريخ الأوروبي على حد سواء.

أضف تعليق