هوس الإنسان بالمعنى… جدلية الوهم والحقيقة

يُعد البحث عن المعنى إحدى الخصائص الأكثر تميزًا للإنسان، تلك السمة التي تفصله عن سلفه الحيواني وتضعه في مواجهة مباشرة مع أسئلة الوجود الكبرى. فبينما يكرس الحيوان كل جهده لضمان بقائه المادي في محيط مليء بالأخطار، يذهب الإنسان إلى أبعد من ذلك بكثير. لقد استطاع أن يطور آليات معقدة، ليست فقط لمواجهة التهديدات الحقيقية، بل أيضًا لمواجهة مخاوفه المتخيلة، وعلى رأسها القلق الوجودي.
تكمن فرادة الإنسان في أن آليات بقائه لم تقتصر على تجنب الخطر المادي، بل امتدت لتشمل سعيًا دؤوبًا لـ “الإحساس بالأمان” عبر اصطناع معنى لهذا الوجود. هذا السعي، الذي يبدو محمومًا، يتجاوز المعنى الشخصي الذي ركز عليه عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل في منهجه العلاجي. فبينما كان فرانكل محقًا في التشديد على قوة المعنى كدافع قاهر ومحفز للتغلب على الصعوبات، إلا أن تركيزه على الجانب العلاجي حصر هذه النزعة في إطار ضيق.
لقد فصّل فرانكل ببراعة كيف أن الإنسان يمكنه إيجاد معنى في حياته، حتى في أحلك الظروف، وكيف أن هذا المعنى يمنحه القوة لمواجهة الألم. لكن ما فاته أن يتبينه هو أن هذا البحث عن المعنى ليس مجرد وسيلة لتحقيق السعادة أو تجاوز القلق، بل هو وسيلة لفهم الكون. إن ما يفسر اختلاف الشعوب والقبائل والمذاهب والعقائد ليس مجرد صراع على الموارد أو السلطة، بل هو بالأحرى محاولة الإنسان لفرض تصوره الخاص للوجود. هذا التصور يمنحه إحساسًا بالمعنى لكل شيء من حوله، ويعينه على فهم علاقته بالآخرين وبمحيطه.
إن هذا التوهم بامتلاك الحقيقة المطلقة، وامتلاك معنى للوجود، هو ما يقف وراء كل صراع، وهو أيضًا ما يمنح الإنسان إحساسًا بالاستقرار. قد يرى البعض أن هذا السعي ما هو إلا انخراط في شبكة معقدة من الأوهام التي يصطنعها الإنسان، ولكن بالنسبة للإنسان نفسه، هذه الأوهام ليست مجرد أكاذيب، بل هي الحقيقة التي يختارها، وهي المعنى الذي يمنح وجوده قيمة.
إن ما جاء به فيكتور فرانكل هو تذكير لنا بقوة المعنى في حياتنا، ولكنه لم يتطرق إلى الجانب المأزوم من هذا السعي؛ فإصرار الإنسان على إيجاد معنى قد يدفعه إلى اختلاق معنى غير حقيقي، وهو ما قد يوقعه في دوامة من الوهم. فإذا كان فرانكل لا يضيره أن يتوهم الإنسان معنى مختلقًا طالما كان هذا الوهم يعينه على أن يعيش سعيدًا، فإن هذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يكفي أن يكون المعنى مجرد آلية للتعامل مع القلق، أم أن البحث عن المعنى هو دعوة حقيقية لاستكشاف الواقع والوجود في أعمق أبعاده؟ إن هذا السؤال هو ما يجعل من هوس الإنسان بالمعنى قضية وجودية تتجاوز كل المقاربات العلاجية.

أضف تعليق