{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}… النبي يعقوب مثالاً

تُعَدُّ قصة يوسف من أكثر القصص القرآنية غنى بالدلالات العقدية والوجدانية، إذ تجمع بين البعد الغيبي والبعد الإنساني في حبكة سردية متكاملة. ومن بين أبرز محطاتها ما يتعلق بعلم النبي يعقوب بمصير ابنه يوسف، ذلك العلم الذي خالف ما كان يظنه أبناؤه. يتجلى هذا البعد في العبارة القرآنية المتكررة مرتين: “أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (يوسف: 86، 96)، وهي عبارة ذات حمولة دلالية عميقة تكشف عن طبيعة العلاقة بين الوحي الإلهي والعاطفة الإنسانية.
ينبثق السؤال المحوري على النحو الآتي: ما الذي كان يعلمه النبي يعقوب من الله بشأن يوسف، ولم يكن يعلمه أبناؤه؟
ويتفرع عن هذا السؤال إشكال آخر: كيف يُفسَّر الجمع بين يقين يعقوب ببقاء يوسف حيًّا وبين حزنه العميق الممتد سنوات طويلة؟
يُبين لنا تدبر العبارة القرآنية الجليلة: “أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ” أن يعقوب قد أُعطي علماً خاصًا، إمّا عن طريق الوحي المباشر أو عبر إلهام نبوي يقيني، وهو علم جزئي يتعلّق بحياة يوسف دون تفاصيل زمانية أو مكانية.
هذا العلم يميّزه عن أبنائه الذين اعتمدوا على الظواهر الحسية (غياب يوسف، دم القميص، مرور الزمن)، بينما تمسّك يعقوب بعلم يقيني يتجاوز حدود الحس.
يقين يعقوب لم ينفِ حزنه؛ بل على العكس، عمّق من معاناته. فهو يعلم أن يوسف حي، لكنه عاجز عن رؤيته أو ضمّه إليه.
الحزن هنا ليس على فقد الحياة، بل على فقد المشاهدة والمعايشة. وهذا يفسر قوله تعالى: “وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم” (يوسف: 84).
تكررت عبارة “إني أعلم من الله ما لا تعلمون” مرتين؛ الأولى لتثبيت يقينه رغم اعتراض أبنائه، والثانية لتأكيد صدق هذا اليقين بعد تحقق الوعد.
التكرار هنا يحمل قيمة حجاجية وبلاغية، فهو يوظّف لإثبات ثبات اليقين أمام الإلحاح السلبي لبنيه.
يعكس الموقف جدلية العلاقة بين الغيب الجزئي الموهوب للأنبياء وبين علم الله المطلق. فالنبي قد يُعطى معرفة محددة تكفي لحفظ الأمل واليقين، لكنها لا تلغي البعد الامتحاني في مسيرة الحياة.
السرد القرآني بذلك يجمع بين عنصر اليقين بالغيب وعنصر الصبر الإنساني على البلاء، ليغدو درساً وجودياً يتجاوز زمن القصة إلى كل إنسان يعيش تجربة الانتظار والأمل.
يمكن القول إن يعقوب كان يعلم يقينًا من الله أن يوسف حي، في حين جهل أبناؤه هذه الحقيقة وظنوا خلافها. لكن هذا العلم لم يُعفه من مرارة الانتظار وفقدان الرؤية، فظل حزنه ملازماً له حتى لحظة اللقاء. تكشف لنا هذه القراءة أن القصة القرآنية لا تقتصر على سرد تاريخي، بل تقدّم نموذجًا لجدلية اليقين الإيماني والعاطفة الإنسانية، وتؤكد أن العلم الموهوب للأنبياء يظل محدودًا أمام علم الله المطلق، لكنه يكفي لترسيخ الثقة والرجاء في أحلك الظروف.

أضف تعليق