فيينا 1683 وأسباب تراجع الدولة العثمانية

اعتمدت الإمبراطورية العثمانية في ازدهارها على اقتصاد ريعي قائم على الغزو والتوسع. فقد كان غزو الأراضي الجديدة يوفّر موارد مالية مباشرة من خلال الغنائم والجزية والضرائب المفروضة على المناطق المحتلة. غير أنّ هذا النموذج، وإن بدا فعالًا في مرحلة التوسع، كشف عن محدوديته حين توقفت عجلة الغزوات الكبرى بعد فيينا 1683. فقد انكمشت مصادر الإيرادات المباشرة، بينما ظلّ الإنفاق العسكري والإداري في تزايد مستمر.
إلى جانب ذلك، لم يتمكّن النظام الاقتصادي العثماني من التكيّف مع التحولات العالمية التي دشّنتها أوروبا الغربية، كالثورة التجارية وبداية الرأسمالية الحديثة، وسيطرة القوى البحرية الأوروبية (إسبانيا، البرتغال، ثم هولندا وإنكلترا) على طرق التجارة العالمية. وبذلك، انكمشت مكانة الدولة العثمانية بوصفها “واسطة تجارية” بين الشرق والغرب، لتتحول تدريجيًا إلى تابع اقتصادي يعتمد على القروض الأوروبية.
تميزت الدولة العثمانية في أوجها بقدرتها على دمج شعوب وأديان مختلفة عبر نظام “الملل”، الذي منح الأقليات الدينية هامشًا من الحكم الذاتي مقابل الولاء الضريبي والسياسي للباب العالي. غير أنّ هذا النظام بدأ يعاني من التصدع مع اتساع الهوة بين المركز (إسطنبول) والأطراف، وازدياد النزعات القومية والدينية في البلقان.
في المقابل، تراكمت أزمات الفساد الإداري والرشوة داخل جهاز الدولة. فقد فقدت البيروقراطية فعاليتها، وأصبح تعيين الولاة مرتبطًا بالمحاباة أكثر منه بالكفاءة. انعكس ذلك في ضعف القدرة على جباية الضرائب وتراجع الانضباط الإداري، وهو ما جعل الدولة عاجزة عن مواكبة تحديات الإصلاح الحديثة التي واجهتها أوروبا في ذات المرحلة.
كان جيش الإنكشارية العمود الفقري للتوسع العثماني منذ القرن الرابع عشر. لكن بحلول القرن السابع عشر، تحوّلت هذه القوة إلى مؤسسة متحجرة، فقدت مرونتها القتالية، ورفضت التحديث على النمط الأوروبي. كما أصبحت الإنكشارية فاعلًا سياسيًا يتدخل في تعيين السلاطين وعزلهم، ما جعلها عبئًا داخليًا يقوّض الاستقرار السياسي.
كما أن رفض الإنكشارية تحديث التسليح والتنظيم جعل الفجوة العسكرية مع أوروبا تتسع. ففي حين كانت الجيوش الأوروبية تدخل عصر الجيوش النظامية والتكتيكات الحديثة المدعومة بالمدفعية المتطورة، ظلّ العثمانيون متمسكين بأساليب قتال تقليدية لم تعد كافية لحسم المعارك الكبرى.
ارتبطت أزمة الدولة العثمانية أيضًا بتأخرها في اللحاق بالثورة العلمية والتكنولوجية التي انطلقت من أوروبا في القرن السابع عشر وما بعده. فبينما كانت أوروبا تشهد ثورة في الفلك، والرياضيات، والهندسة العسكرية، ظلّ التعليم العثماني محصورًا في المدارس الشرعية التي لم تواكب التحولات العلمية. وقد انعكس ذلك مباشرة على التخلف في مجالات التسليح، الملاحة، والصناعة.
من خلال هذه العوامل يتضح أن الهزيمة عند أسوار فيينا لم تكن السبب الوحيد لتراجع الإمبراطورية، بل كانت بمثابة الكاشف لأزمة بنيوية أعمق. فحتى لو سقطت فيينا بيد العثمانيين عام 1683، فإن نموذج الاقتصاد الريعي، وضعف الجهاز الإداري، وجمود الإنكشارية، والفجوة التكنولوجية مع أوروبا، كانت جميعها عوامل تجعل الانحدار العثماني مسألة وقت لا أكثر. قد يكون الانتصار قد مدّد عمر الإمبراطورية وأجّل لحظة المواجهة، لكنه لم يكن قادرًا على تغيير الاتجاه التاريخي للتراجع.

أضف تعليق