في البحث عن الغاية… لقاء بين فيينا وطوكيو

“الإنسان كائن يبحث عن المعنى”. بهذه الكلمات، لخص عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل جوهر نظريته في العلاج بالمعنى (Logotherapy). كان فرانكل يؤمن إيمانًا راسخًا بأن الدافع الأساسي للإنسان ليس السعي وراء اللذة أو القوة، بل هو البحث عن غاية تمنح حياته قيمة وتجعلها جديرة بالعيش. هذه الفكرة التي نضجت في أتون معسكرات الاعتقال النازية، حيث رأى فرانكل بأم عينيه كيف أن من يمتلكون “لماذا” يعيشون من أجله، يستطيعون تحمل أي “كيف”.
في الجانب الآخر من العالم، وفي جزر أوكيناوا اليابانية، تتجسد هذه الفكرة في مفهوم فلسفي حياتي يُعرف باسم الإيكيغاي (Ikigai). تُترجم الكلمة تقريبًا إلى “سبب للعيش” أو “ما يجعل الحياة جديرة بالاهتمام”. هي ليست مجرد كلمة، بل هي بوصلة ترشد الفرد نحو نقطة التقاء بين ما يحب، وما يجيد فعله، وما يحتاجه العالم، وما يمكن أن يكسب منه رزقه. جوهر الإيكيغاي هو وجود هدف يومي، شيء يوقظك كل صباح بشغف وطاقة، يذكرك بأنك جزء لا يتجزأ من النسيج الكوني.
للوهلة الأولى، قد يبدو أن لدينا مقاربتين مختلفتين، واحدة نفسية أوروبية-نمساوية والأخرى فلسفية يابانية-شرقية. لكن في جوهرهما، هما وجهان لعملة واحدة. كلاهما يدعو الإنسان إلى رفض الرضوخ للعدمية أو اليأس، وإلى تجاوز القناعات المحدودة التي قد يفرضها على نفسه. إن البحث عن معنى للحياة وفقًا لفرانكل، يترجم إلى السعي وراء إيكيغاي في الحياة اليومية. إنه دعوة صريحة للفرد ليكون عنصرًا مساهمًا في الارتقاء الجماعي للنوع الإنساني، بدلاً من أن يكون مجرد مستهلك سلبي أو ضحية لظروفه.
المشترك الأعمق بينهما هو النظرة التفاؤلية الجوهرية للجنس البشري. فكلا المنهجين يؤكد أن الإنسان، على الرغم من قسوة واقعه، وعلى الرغم من شح الموارد التي تكفل له تحقيق غايته، يبقى قادرًا على استخدام إرادته الحرة لتطويع الصعوبات. هذه القدرة على السمو فوق المعاناة لا تعني التصادم المباشر معها، بل هي قبولها كجزء من مسيرة الوجود، والتسامي فوقها بالصبر والإيمان بأن هناك قوة كونية أو معنى أسمى يوجه المسار.
إن ما يربط بين العلاج بالمعنى والإيكيغاي هو هدف واحد: حث الإنسان على أن لا يهدر حياته هكذا. إن الحياة ليست رحلة عبثية تنتهي بالفناء، بل هي فرصة لاكتشاف الذات والمساهمة في بناء عالم أفضل. سواء أسميناها “البحث عن المعنى” أو “الإيكيغاي”، فإنها دعوة للإنسان لأن يدرك أن لحياته هدفًا يتجاوز المحددات التي فرضها عليه خضوعه لقدر افتراضي هو من قام بصياغة معالمه.
باختصار، يقدم لنا فرانكل والإيكيغاي معًا مسارًا جديدًا للوجود الإنساني: مسارًا لا يكترث بالخلفية الثقافية، بل يركز على جوهر ما يجعلنا بشرًا: قدرتنا على إيجاد الأمل في قلب اليأس، وإضاءة شمعة في أحلك الظلمات. إنها رسالة مفادها أن كل فرد، بغض النظر عن ظروفه، يمتلك القدرة على اكتشاف معنى لوجوده، وإحاطة نفسه بمغزى حقيقي يعيش من أجله.

أضف تعليق