هوس الإنسان بالبحث عن المعنى… مقاربة أنثروبولوجية-فلسفية نقدية

يشكِّل البحث عن المعنى إحدى أكثر النزعات الإنسانية أصالة وتميّزًا، حتى إنّها باتت تُعَدّ السمة الأبرز التي تفرّق الإنسان عن الحيوان. فإذا كان الحيوان ينصرف في سلوكه إلى ضمان بقائه من خلال آليات غريزية وبولوجية محدّدة، فإن الإنسان يتجاوز هذا النطاق الضيق لينخرط في سعيٍ متواصل وراء معنى يتجاوز وجوده الفردي، ويطال الوجود بأسره. وقد كان لعالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل فضلٌ في لفت الانتباه إلى هذه النزعة عندما أسّس مدرسته المعروفة بـ العلاج بالمعنى (Logotherapy) في النصف الأول من القرن العشرين (Frankl, 1946/2006). غير أن ما ميّز مشروع فرانكل، وهو ربط السعادة الإنسانية بقدرة المرء على إيجاد معنى لحياته، هو نفسه ما ضيّق من أفق مقاربته، إذ حصر النزعة الإنسانية في البحث عن معنى ضمن أبعاد علاجية نفسية، من دون الانفتاح على البعد الوجودي-الأنثروبولوجي الأشمل.
تتمثل الإشكالية المركزية لهذا الأمر في السؤال التالي: هل يمكن اختزال نزعة الإنسان إلى البحث عن معنى في مجرد حاجة نفسية-علاجية كما ذهب فرانكل؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليشكّل بُعدًا أنثروبولوجيًا-فلسفيًا يمس طبيعة الوجود الإنساني ذاته؟ تنبثق من هذا السؤال قضايا فرعية:
ما العلاقة بين الحاجة إلى الأمان الحيواني والحاجة إلى المعنى الإنساني؟
إلى أي مدى يمكن اعتبار المعنى آلية دفاعية ضد القلق الوجودي أكثر من كونه كشفًا للحقيقة؟
كيف يلتقي البحث عن المعنى مع إنتاج الأوهام الكبرى والإيديولوجيات؟

فيكتور فرانكل: في كتابه الإنسان يبحث عن معنى (Man’s Search for Meaning, 1946/2006)، يطرح فرانكل أن القدرة على إيجاد معنى للحياة هي ما يجعل الإنسان قادرًا على تحمّل أقسى الظروف (تجربته في معسكرات الاعتقال النازية مثالاً). يرى أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل بحاجة إلى “لماذا” يعيش. غير أن هذا التصوّر بقي محصورًا في إطار علاجي نفسي.
الفلسفة الوجودية: نجد عند جان بول سارتر وألبير كامو أن البحث عن المعنى يرتبط بمواجهة “العبث” (Camus, 1942/1991). فالإنسان وُضع في كون صامت، ومع ذلك يبحث عن معنى يبرّر وجوده. غير أن الوجودية تميل إلى ترك الحرية الفردية تصنع المعنى، دون بحث في طبيعته الكونية أو حقيقته الموضوعية.
الأنثروبولوجيا الفلسفية: كما عند إرنست كاسيرر في كتابه مقال في الإنسان (Cassirer, 1944/1972)، حيث يرى أن الإنسان “حيوان رامز” (animal symbolicum) يعيش داخل أنساق من الرموز والمعاني. هنا يصبح البحث عن المعنى آلية أنثروبولوجية جوهرية لا تُختزل في النفسية الفردية.
نقد الإيديولوجيا: عند كارل ماركس ومن بعده لويس ألتوسير، يتجلّى البُعد الوهمي للمعنى، إذ يُنتج الإنسان منظومات فكرية تُسقط معنى زائفًا على الواقع من أجل تبرير مصالحه وصراعاته (Marx & Engels, 1846/1970). وهكذا يغدو البحث عن المعنى أداة لتوليد أوهام جماعية أكثر منه سبيلًا للوصول إلى الحقيقة.
الحيوان يواجه الأخطار عبر آليات مباشرة كالهروب أو التخفي أو التمويه، وهي آليات وثّقها علم الحيوان (Tinbergen, 1951). أما الإنسان فقد وسّع هذه الآليات عبر أدوات اجتماعية (الدولة، الجيش، القوانين) لكنه لم يكتفِ بذلك؛ إذ اتجه إلى ابتكار أنظمة رمزية ومعنوية لمواجهة ما يتجاوز الخطر المادي: الموت، القلق، واللايقين.
يمكن القول إن سعي الإنسان للمعنى ليس دائمًا بحثًا عن “الحقيقة”، بل كثيرًا ما يكون بحثًا عن “الطمأنينة”. وهذا ما يجعل الإنسان مستعدًا لقبول أوهام كبرى (أساطير، سرديات ميتافيزيقية، إيديولوجيات) طالما أنها تمنحه شعورًا بالاستقرار. هنا تبرز المفارقة: المعنى أداة للبقاء النفسي لا أقل من كونه أداة للفهم.
يُحسَب لفرانكل أنه بيّن أهمية المعنى في تعزيز مقاومة الإنسان للألم واليأس. لكن يُؤخَذ عليه أنه لم يلتفت إلى البعد الوهمي في صناعة المعنى؛ إذ لم يكن يضيره أن يتشبث الإنسان بمعنى مختلق طالما أنه يعينه على العيش. بيد أنّ الفلسفة والأنثروبولوجيا الفلسفية تذكّراننا بأن المعنى المصطنع قد يحوّل الإنسان إلى أسير لأوهامه.
عندما يسعى الإنسان إلى فرض تصوّره الخاص للوجود على غيره، فإن هذا السعي يتحوّل إلى إيديولوجيا. وما الاختلافات بين الشعوب والعقائد والمذاهب سوى تجليات لهذا السعي. وهكذا يظهر المعنى أحيانًا كآلية للهيمنة أكثر من كونه كشفًا للحقيقة.
يتبيّن لنا، وبتدبر ما تقدم، أن نزعة الإنسان للبحث عن المعنى تتجاوز المقاربة العلاجية التي تبنّاها فرانكل. فهي نزعة أنثروبولوجية-فلسفية أصيلة ترتبط بمسعى الإنسان لدرء القلق الوجودي أكثر مما ترتبط بكشف الحقيقة. غير أن هذا المسعى، في طابعه المزدوج، يجعل من المعنى أداةً للبقاء، وفي الوقت ذاته مسرحًا للأوهام الكبرى. وعليه، فإن نقد المعنى لا يقل أهمية عن البحث عنه، بل ربما يشكّل الشرط الضروري لرؤية الوجود كما هو، بعيدًا عن أقنعة الوهم والإيديولوجيا.

Cassirer, E. (1944/1972). An Essay on Man: An Introduction to a Philosophy of Human Culture. Yale University Press.
Camus, A. (1942/1991). The Myth of Sisyphus. Vintage International.
Frankl, V. E. (1946/2006). Man’s Search for Meaning. Beacon Press.
Marx, K., & Engels, F. (1846/1970). The German Ideology. International Publishers.
Sartre, J.-P. (1943/1993). Being and Nothingness. Washington Square Press.
Tinbergen, N. (1951). The Study of Instinct. Oxford University Press.
ألتوسير، لوي (1970). الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية. (ترجمة عربية، دار الفارابي).

أضف تعليق