وللوجود معنى تكشفُ النقابَ عنه ظواهرُ التزامن

يُعَدّ البحث عن المعنى من أبرز السمات المميِّزة للإنسان مقارنةً بسائر الكائنات الحيّة. فبينما يقتصر الحيوان على آليات البقاء الموجَّهة بغريزة الحفاظ على الوجود، يتجاوز الإنسان هذا الأفق الضيّق ليدخل في دائرة التساؤل: لماذا نحيا؟ وما الدور الذي نضطلع به داخل هذا الكون؟ غير أنّ هذا البحث لا يضمن بالضرورة بلوغ “المعنى الحقيقي”، بل يعرّض الإنسان لمتاهاتٍ من التصورات والأوهام التي تنعكس عليه توترًا وجوديًا دائمًا.
في هذا السياق، تبرز ظواهر التزامن (Synchronicity) التي صاغها عالم النفس السويسري كارل يونغ بوصفها مفتاحًا للتخفيف من مأزق البحث عن المعنى، بل وأداةً علاجية–وجودية قد تعيد للإنسان توازنه الداخلي في مواجهة عجزه البنيوي عن القبض على حقيقة الوجود.
إذا كان الإنسان كائنًا محكومًا بالسعي وراء المعنى، فلماذا يعجز عن بلوغه غالبًا؟
وهل يمكن لظواهر تبدو “مصادفات” على السطح، كالتزامن، أن تتحوّل إلى إشارات تحمل قيمة وجودية تفتح للإنسان نافذةً على معنى أعمق؟
منذ لحظة تمايزه عن الحيوان، حمل الإنسان همًّا وجوديًا يضعه في مواجهة أسئلة لا تنتهي. فالمعنى بالنسبة له ليس ترفًا ذهنيًا بل ضرورة وجودية تمكّنه من التكيّف مع قسوة الواقع وغموض المصير. ولعل ما يميز الإنسان أنّه لا يستطيع، بطبيعته، أن يحيا دون نسقٍ يفسّر له ذاته والعالم من حوله【فرانكل، 1985】.
غير أنّ هذا البحث يصطدم بعجز تكويني: فالإنسان، منذ أن انفصل عن “قوانين النوع” التي حكمت وجوده في الطبيعة، وضع إرادته الفردية فوق إرادة الجماعة. بذلك، تحوّل إلى كائن منفصل عن الجذر الطبيعي الذي صاغ أسلافه عبر ملايين السنين【ويلسون، 1998】. هذه الفردانية منحته القدرة على الإبداع، لكنها حملت معه أزمةً: عجزه عن الاستقرار على معنى جامع، ووقوعه في أسر معانٍ متخيلة أو متوهمة، ما يجعله مأزوماً بالصراع الدائم بين أوهامه.
في مواجهة هذا العجز، اقترح يونغ مفهوم التزامن بوصفه “مصادفات ذات معنى”. إذ لاحظ أنّ بعض مرضاه كانوا يعيشون أحداثًا متزامنة لا يمكن تفسيرها بالعقل السببي وحده، لكنها تترك أثرًا عميقًا في وجدانهم【Jung, 1960】. بالنسبة لهؤلاء، لم تكن المصادفة مجرد تقاطع زمني بين حدثين، بل رسالة تحمل مضمونًا يتجاوز المنطق.
تكمن القيمة العلاجية لظواهر التزامن في قدرتها على إخراج الإنسان من ضيقه النفسي، إذ تكشف له عن تفاهة مخاوفه مقارنةً بسياق كوني أوسع. أمّا قيمتها الوجودية، فهي في الإشارة إلى أنّ الوجود ليس عشوائيًا تمامًا كما يتصور العقل الحديث، بل يحتوي على أنماط ورسائل تُشعر الإنسان بأنّه ليس متروكًا بلا سند【Main, 2004】.

إن مأزق الإنسان في البحث عن المعنى ليس عارضًا بل جزء من تكوينه، وهو ما يجعله عرضةً للأوهام والمعاني المتخيّلة. غير أنّ ظواهر التزامن، كما بيّنها يونغ، تفتح أمامه أفقًا مختلفًا: أفق يرى فيه أن هناك قوةً خفية قادرة على “هندسة” المشاهد الوجودية، لا لمجرّد إدهاشه، بل لانتشاله من أزماته الداخلية. ومن هذا المنظور، لا يُقدَّم التزامن كإجابة نهائية عن سؤال المعنى، بل كـ نافذة تذكّر الإنسان بأنّ للوجود حكمةً تتجاوز حدوده الفردية.

فرانكل، فيكتور. (1985). الإنسان يبحث عن معنى. ترجمة: طلعت منصور. القاهرة: دار النهضة.
ويلسون، إدوارد. (1998). الطبيعة البشرية. ترجمة: فؤاد زكريا. الكويت: عالم المعرفة.
أبو زيد، نصر حامد. (1990). مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن. بيروت: المركز الثقافي العربي.

Jung, C. G. (1960). Synchronicity: An Acausal Connecting Principle. Princeton: Princeton University Press.
Main, R. (2004). The Rupture of Time: Synchronicity and Jung’s Critique of Modern Western Culture. Brunner-Routledge.
Frankl, V. E. (2006). Man’s Search for Meaning. Beacon Press.
Dourley, J. (2009). Jung and the Religious Alternative. Routledge.

أضف تعليق