
لن يستطيعَ العِلمُ، مهما حاول، أن يتطهَّرَ من سمومِ الميتافيزيقا التي لولاها ما كانت لتنطلقَ رحلتُه المعرفية من عالَمِ الميثولوجيا إلى العالَمِ الواقعي. صحيحٌ أنَّ العِلمَ شرعَ، ومنذ بداياتِ تشكُّلِه، في التخلُّصِ من الكثيرِ من المحدِّدات الميتافيزيقية التي فرضتها عليه ظروفُ نشأتِه في كنفِ التفسيراتِ البدائية التي حاول الإنسانُ أن يستعينَ بها على تبيُّنِ الأسبابِ الكامنةِ من وراءِ حدوثِ ما يحدث فيما تأتى له أن يحيطَ به من الوجود، إلا أنَّ شبحَ هذه الميتافيزيقا يأبى أن يفارقَ خطواتِه كلما جدَّ واجتهدَ وغذَّ السيرَ على طريقِ “التحرُّر الحقيقي” من سطوةِ قصورِ العقلِ البشري عن مقاربةِ الظواهر بتجرُّدٍ وموضوعية. ولا يحتاجُ الأمرُ منا حتى نتبيَّنَ هذه الحقيقةَ غيرَ أن نتدبَّرَ تاريخَ العِلم وتطورَ نظرياتِه. فتاريخُ العِلمِ يقدِّمُ لنا أمثلةً واضحةً جلية تظهر لنا كيف أنَّ العِلمَ تطهَّرَ، وبشكلٍ تدريجي منهجي، من كثيرٍ مما خالطَه من أوهامٍ ميتافيزيقية وافتراضاتٍ غيرِ منطقية كان لابد له من أن يطَّرِحَها ليصبحَ مؤهلاً لارتيادِ آفاقٍ جديدة تقتضي من مرتاديها أن يكونوا أكثرَ قدرة على تقبُّلِ ما هو مخالفٌ لما تواضعَ عليه الفِكرُ الكلاسيكي والفلسفاتُ القديمة وما وقرَ عند كثيرٍ من الناس من أوهامٍ رسَّختها في أذهانِهم تفسيراتٌ أنثروبومورفية للنصوصِ الدينية. ولقد كان من المرتجى أن تتكلَّلَ جهودُ تطهُّرِ العِلم من أوثانِه الميتافيزيقية بتحرُّرِه الكامل من هذه الأوثان حتى لا يبقى هنالك ما يحول دون أن يصبحَ بمقدورِه أن يكونَ أكثرَ تقبلاً لكلِّ ظاهرةٍ حتى وإن كان في حدوثِها ما يتعارضُ مع نظرياتِه. ولكننا، ومع شديدِ الأسف، لا نزال نعاني من إصرارِ كثيرٍ من رجالِ العِلم على التمسُّكِ بهذه الأوثانِ الميتافيزيقية لا لشيءٍ إلا لأن العلمَ، من وجهةِ نظرِهم، لا قيامَ له إلا بها، وأن هذه الأوثانَ إذا ما انهارت انهارَ معها العِلمُ منظومةً ومنهجاً وتصوراً كلياً للوجود ولممكناتِه ومستحيلاتِه.
فمتى يأتي اليومُ الذي سنشهد فيه تخلص العِلمِ من كلِّ أوثانِه الميتافيزيقية التي تحول دون أن يكونَ أكثرَ انفتاحاً وتسامحاً وتقبلاً لأي ظاهرةٍ تحكمُ نظرياتُه بانتفاءِ وجودِها؟ عندها، وعندها فقط، سيكون بمقدورِنا أن نتعاملَ تعاملاً معرفياً صائباً مع “الظواهرِ الخارقة” التي من المعيبِ والمخجل أننا، وفي هذا العصرِ العِلمي، لانزال نصرُّ على إيلائها أقلَّ قدرٍ من الاهتمامِ العِلمي مسوغين لذلك بأنَّ إقرارَنا بوجودِها سوف يقوِّض أركانَ بنائنا المعرفي المعاصر. إنَّ يوماً كهذا لن يحلَّ أبداً طالما سمح العِلمُ لنفسِه بأن يَحكمَ باستحالةِ حدوثِ كلِّ ما يتعارضُ مع نظرياتِه التي لابد من تذكيرِه على الدوام بأنها ما صيغت إلا وفقاً لتلك الوقائعِ والظواهرِ والأحداثِ التي قُيِّضَ له أن يحيطَ بها ويضعَ يدَه عليها. إنَّ عِلماً جديداً، بل عالمٌ جديدٌ، ينتظرُ الإنسانيةَ إذا ما أعادَ العِلمُ الاعتبارَ لذلك الطيفِ من ظواهرِ الوجودِ التي طالما سارعَ إلى الحكمِ بانتفاءِ وجودِها حتى من قبل أن يتدبَّرَها بمنهجِه وبأدواتِ بحثِه!
