
يُعَدّ نيكولاس رويرخ (1874–1947) واحدًا من أبرز المفكرين والفنانين الذين سعوا إلى ترسيخ مشروع إنساني شامل، يقوم على دعائم ثقافية وأخلاقية تعلو على الاختلافات الدينية أو القومية أو العرقية. ولم تكن رؤيته مجرد دعوة مثالية، بل كانت حصيلة تجربة عميقة جسّدها في نتاجه الفني، وفي نشاطه الفكري والدبلوماسي، وفي إيمانه بأن الثقافة والفن يشكلان جسرًا أمثل لإرساء السلام العالمي.
تمحور فكر رويرخ حول قناعة مركزية: أن الإنسانية لن تنعم بسلام دائم إلا إذا أدركت أن لا تفوّق جوهريًا أو قيمة عليا لفرد أو جماعة على أخرى، ما دام الجميع يتقاسمون الإيمان بمبادئ الخير والعدل والحق. لقد كان يؤمن بأن هذه المبادئ تشكل أرضية مشتركة، تتجاوز الحدود الضيقة للأديان والمذاهب والأمم، وتتيح للإنسان أن يتعامل مع أخيه الإنسان على أساس المساواة في الكرامة والغاية.
رأى رويرخ أن جذور النزاعات والحروب تكمن في الفهم المعتل للدين، حيث يُحوَّل الدين من منظومة أخلاقية وقيمية إلى أداة إقصاء وصراع. والمتطرفون –على اختلاف دياناتهم– يتفقون على نزعة فرض فهمهم الخاص باعتباره الحقيقة المطلقة، وهو ما يؤدي إلى الانغلاق والعنف. في مقابل ذلك، سعى رويرخ إلى مجابهة هذا التشدد لا بالعنف، بل ببث قيم الثقافة التي تحتفي بالاختلاف والتنوع، معتبرًا أن التعددية سنة كونية لا يمكن للبشرية أن تقوم من دونها.
اعتبر رويرخ أن الثقافة، بما هي فنون وآداب وعلوم وتاريخ مشترك، تمثل لغة كونية قادرة على توحيد البشر. ومن هنا جاءت مبادرته المعروفة بـ “ميثاق رويرخ” (Roerich Pact)، الذي دعا إلى حماية الممتلكات الثقافية في أوقات النزاعات، باعتبار أن الثقافة ترمز إلى ذاكرة الإنسانية الجمعية، وهي أقدس من أن تُدمَّر في أتون الحروب.
تلتقي رؤية رويرخ مع ما جاء في القرآن الكريم من دعوة إلى احترام التنوع الإنساني والتأكيد على أن التفاضل بين الناس لا يقوم على العرق أو المعتقد الطائفي، بل على التقوى والعمل الصالح:
المساواة الإنسانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).
التعددية الدينية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ (البقرة: 62).
الاختلاف كحقيقة أزلية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الحج: 17).
هذه النصوص تؤكد أن التمايز الحقيقي لا يتحدد بانتساب الإنسان لجماعة أو أخرى، بل بما يترتب على إيمانه من سلوك قويم وعمل صالح. وهو ما يتقاطع بوضوح مع جوهر فلسفة رويرخ الإنسانية.
إن مشروع رويرخ الإنساني، القائم على إشاعة ثقافة السلام عبر الفن والتسامح، يجد صداه في التصور القرآني الذي يضع قاعدة كونية للتعامل بين البشر، قوامها المساواة والتقوى والعمل الصالح. ومن ثم، يمكن القول إن رؤية رويرخ لم تكن مجرد مثالية طوباوية، بل تمثل تجليًا عصريًا لقيمة أصيلة أكدها الوحي القرآني: أن الإنسانية لا تُبنى على التشدد والإقصاء، بل على الاعتراف بالاختلاف والتعاون على الخير والعدل والحق.
