بين “البحث عن معنى” و”السعي لحياة ذات معنى”…. رحلة معرفية بين طوكيو وفيينا

تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف التلاقيات الممكنة بين العلاج بالمعنى (Logotherapy) لفيكتور فرانكل، بوصفه إحدى أهم المساهمات في المدرسة الوجودية الأوروبية، وبين الإيكيغاي (Ikigai) بوصفه مفهومًا فلسفيًا-ثقافيًا يابانيًا يحدد معنى الحياة من خلال الغاية اليومية. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن كليهما يمثل محاولةً لإعادة الاعتبار إلى حاجة الإنسان لأن يكون فاعلًا في مشروع وجودي وجماعي يتجاوز حدود البقاء الفردي. وتخلص الدراسة إلى أن تلاقي هذين المنهجين المختلفين ثقافيًا وحضاريًا يعكس وحدةً أنطولوجية في جوهر الإنسان، تفرض على الفلسفة المعاصرة إعادة التفكير في المعنى كشرط إنساني كوني.
منذ صرخة فيكتور فرانكل الشهيرة: “من له سبب يعيش من أجله يمكنه أن يتحمل أي شيء تقريبًا”【Frankl, 1946/2006】، وحتى مقولة اليابانيين عن “الإيكيغاي” بأنه “السبب الذي يجعلك تستيقظ كل صباح”، ظل البحث عن المعنى يمثل الهمّ المشترك بين مختلف الثقافات.
وبالرغم من الاختلافات المرجعية بين المدرسة الوجودية الأوروبية التي صاغت العلاج بالمعنى، وبين الفلسفة اليابانية التي أنضجت مفهوم الإيكيغاي، فإنهما يلتقيان في نقطة محورية: لا حياة جديرة بالعيش بلا معنى يتجاوز الذات الفردية.

القسم الأول: العلاج بالمعنى عند فيكتور فرانكل

1. الجذور الوجودية

ظهر العلاج بالمعنى في سياق فلسفي وجودي اتسم بمحاولة تجاوز العدمية التي طغت على أوروبا بعد الحربين العالميتين【Yalom, 1980】.
الوجودية عند سارتر وهيدغر كانت تنظر إلى الإنسان ككائن “مُلقى في العالم”، محكوم بالحرية والقلق.
فرانكل طوّر هذه الرؤية عبر التأكيد على أن الإنسان قادر على اكتشاف معنى حتى في أقسى ظروف الحرمان والمعاناة【Frankl, 1946/2006】.

2. المنهج العلاجي

يعتمد العلاج بالمعنى على ثلاثة مسارات رئيسة لاكتشاف المعنى:
الإبداع (ما يقدمه الفرد للعالم).
الخبرة (ما يتلقاه الفرد من العالم كالطبيعة أو الحب).
الموقف (كيفية مواجهته للمعاناة التي لا يمكن تجنبها).
بهذا المنهج، يتجاوز الإنسان حدود “القدر المفترض” الذي قد يصنعه لنفسه عبر الاستسلام، ليعيد صياغة قدره عبر موقفه الحر.

القسم الثاني: مفهوم الإيكيغاي في الفلسفة اليابانية

1. الجذور الأنثروبولوجية

الإيكيغاي ليس مجرد تقنية للحياة اليومية، بل هو متجذر في أنماط التفكير الياباني التقليدي التي تمزج بين البوذية والكونفوشيوسية والشنتوية【Mathews, 1996】.
يقوم الإيكيغاي على التوازن بين الفرد والمجتمع، بين اللذة والمسؤولية.
يُعَدّ “فن العيش” الذي يدمج بين الحاجة إلى العمل، والحب، والخدمة، والاعتراف الاجتماعي.

2. الهيكل المفاهيمي
الإيكيغاي يتحدد عند التقاء أربعة محاور:
ما تحب.
ما تجيده.
ما يحتاجه العالم.
ما يُكافَأ عليه.
هذا التصور يربط المعنى بالغاية العملية، ويجعل من كل إنسان عنصرًا في مشروع جماعي يعزز استمرارية النوع البشري.

القسم الثالث: تقاطعات العلاج بالمعنى والإيكيغاي
رغم اختلاف السياقين الثقافيين، إلا أن كليهما يشتركان في:
النزعة التفاؤلية تجاه الإنسان: القدرة على تطويع المعاناة وتحويلها إلى قيمة.
المنظور الجماعي: تجاوز الذات نحو إسهام في الصالح العام.
الافتراض الأنطولوجي: أن المعنى ليس اختيارًا كماليًا، بل شرطًا وجوديًا.
وبذلك، يصبح الجمع بين المنهجين فرصة لإعادة صياغة فلسفة عابرة للثقافات تضع “المعنى” في قلب المشروع الإنساني الكوني.

القسم الرابع: نحو أنثروبولوجيا فلسفية للمعنى

تسعى الأنثروبولوجيا الفلسفية إلى الإجابة عن سؤال: ما الإنسان؟【Plessner, 1975】.
وبالنظر إلى العلاج بالمعنى والإيكيغاي من هذه الزاوية، يمكن القول:
الإنسان هو الكائن الذي لا يستطيع أن يعيش بلا معنى.
البحث عن المعنى ليس مجرد ميل ثقافي، بل خاصية أنطولوجية.
الفلسفة عبر الثقافات مدعوة لإعادة دمج هذه الخاصية في مقاربة شاملة تعترف بالوحدة الإنسانية رغم تنوع التعبيرات الثقافية.
تكشف المقارنة بين العلاج بالمعنى والإيكيغاي عن أن المعنى ليس حكرًا على تقليد فلسفي معين، بل هو قاسم مشترك أنطولوجي يعكس وحدة التجربة الإنسانية. الإنسان، أوروبيًا كان أو يابانيًا، يظل قادرًا على أن يسمو فوق واقعه المرير ويكتشف غاية تجعله يشارك في مشروع ارتقاء الجماعة الإنسانية.

Frankl, V. E. (1946/2006). Man’s Search for Meaning. Beacon Press.
Yalom, I. D. (1980). Existential Psychotherapy. Basic Books.
Mathews, G. (1996). What Makes Life Worth Living? How Japanese and Americans Make Sense of Their Worlds. University of California Press.
Plessner, H. (1975). Die Stufen des Organischen und der Mensch: Einleitung in die philosophische Anthropologie. De Gruyter.
Steger, M. F. (2012). Meaning in Life: A Handbook of Research. Oxford University Press.

أضف تعليق