الإسلام وتقويض النزعة العرقية… قراءة منهجية في مركزية التقوىبلال الحبشي وياقوت العرش الحبشي نموذجًا

يطرح الإسلام نفسه منذ بداياته كرسالة عالمية تتجاوز حدود العرق والجنس واللون، وتؤسس لمعيارٍ أوحد للتفاضل بين البشر هو التقوى. هذا المعيار يُمثّل انقلابًا على القيم السائدة في المجتمعات القديمة، التي اعتادت ربط القيمة الإنسانية بالنسب، واللون، والمكانة الاجتماعية. تسعى هذه المقالة إلى بيان مركزية هذا المبدأ في النص القرآني، ثم استعراض تجلياته التاريخية في شخصيات محورية مثل بلال الحبشي وياقوت العرش الحبشي، قبل الانتقال إلى مقاربة معاصرة لمسألة العنصرية في ضوء هذا التراث.
نصّت الآية الكريمة في سورة الحجرات (13):
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
تُبرز هذه الآية بوضوح ما يلي:
وحدة الأصل البشري (ذكر وأنثى).
التنوع الاجتماعي والثقافي (شعوب وقبائل).
الغاية من التنوع: التعارف لا التناحر.
معيار التفاضل: التقوى، لا العرق أو النسب.
ويُعزّز القرآن هذا المبدأ بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32)، ليؤكد أن التفاضل أمرٌ إلهي محض، لا يحق للبشر التدخل فيه.
الوضع قبل الإسلام: كان بلال عبدًا حبشيًا في مكة، يعاني من قسوة العبودية والتهميش الاجتماعي.
التحول مع الإسلام: دخل الإسلام مبكرًا، وواجه صنوف العذاب، حتى عُتق وأصبح حراً.
مكانته بعد الإسلام: أصبح مؤذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بل وغدا رمزًا للتحرر والمساواة.
تمثل سيرة بلال ثورة على بنية اجتماعية كانت تربط القيمة الإنسانية بالعرق والعبودية، فارتفع من “عبد حبشي” إلى “سيد بالرسالة”.
ينتمي ياقوت العرش (ت 707هـ) إلى أصل حبشي، وانتقل إلى الإسكندرية حيث تتلمذ على يد المرسي أبي العباس. وقد بلغ مكانة روحية عالية، إذ تتلمذ عليه كل من:
ابن عطاء الله السكندري (صاحب “الحكم العطائية”).
محمد البوصيري (صاحب “البردة المحمدية”).
إن انتقال شخصية حبشية إلى موقع القيادة الروحية في إحدى أهم الحواضر العلمية في العالم الإسلامي آنذاك، يُعدّ تأكيدًا لاستمرارية المبدأ القرآني في تجاوز العرق، ليُستبدل بالمعيار الروحي والأخلاقي.
في صدر الإسلام: شكّل التنوع الإثني في الصحابة (بلال الحبشي، سلمان الفارسي، صهيب الرومي) دليلاً على عالمية الرسالة.
في العصور الوسطى: ظهر علماء وأولياء من أصول غير عربية (مثل ياقوت العرش) في مراكز قيادية للمعرفة.
في الفقه الإسلامي: اجتهد العلماء في تأكيد مبدأ المساواة، مع إبراز أن الاختلافات البشرية لا تُبرّر التمييز في الحقوق والواجبات.
يمثل المبدأ القرآني رفضًا لما يمكن تسميته بـ”الجوهرانية العرقية” (racial essentialism)، أي الاعتقاد بارتباط الفضائل أو الرذائل بعرق محدد. فالقرآن يستبدل هذه الجوهرانية بقاعدة وجودية: كل البشر من أصل واحد، وكلهم يُختبرون بالتقوى.
هذا البعد يلتقي مع بعض المقاربات الأنثروبولوجية المعاصرة التي ترى أن التنوع الثقافي والاجتماعي ينبغي أن يُفهم في سياق تبادلي لا هرمي.
في عالمنا الحديث، ما تزال العنصرية قضية قائمة، سواء في الغرب (ضد الأقليات المهاجرة والسود) أو في المجتمعات المسلمة (أشكال التمييز القبلي والعرقي).
إن إعادة قراءة التراث الإسلامي، خصوصًا من خلال نماذج مثل بلال وياقوت، تتيح مدخلًا لمواجهة هذه الظاهرة بمرجعية دينية وأخلاقية.
وتُسهم الدراسات الفكرية الحديثة (مثل دراسات مالك بن نبي حول “القابلية للاستعمار” أو أبحاث طه عبد الرحمن حول الأخلاق) في دعم هذا التوجه النقدي.
يتضح أن الإسلام منذ بداياته قدّم مشروعًا للتحرر من أسر العرق والنسب واللون، مؤسسًا لمعيار بديل هو التقوى. وقد تجلّى هذا المبدأ في النماذج التاريخية من الصحابة والأولياء، ولا يزال صالحًا لمواجهة تحديات العنصرية المعاصرة. ومن هنا، فإن استعادة هذا المبدأ القرآني تمثل ضرورة فكرية وروحية، ليس فقط لفهم الماضي، بل لبناء وعي معرفي متسامٍ في الحاضر والمستقبل.

أضف تعليق