البعد الإنساني في فلسفة نيكولاس روريخ… قراءة مقارنة في ضوء المرجعية القرآنية

تهدف هذه الورقة إلى مناقشة البعد الإنساني في فلسفة الفنان والمفكر الروسي نيكولاس روريخ (1874–1947) من خلال تتبع الأسس السلوكية والاعتقادية التي صاغها في مشروعه الفكري والثقافي، والقائمة على رفض أي دعوى تفوّق أو أفضلية بين البشر ما داموا يتقاسمون الإيمان بالمبادئ الثلاثة: الخير، والعدل، والحق. وتجادل الورقة بأن مشروع روريخ لم يكن مجرد نزعة مثالية طوباوية، بل هو محاولة جادة لإعادة بناء النظام الأخلاقي العالمي على قاعدة ثقافية، بما يقترب كثيرًا من المرجعية القرآنية التي أكدت المساواة الإنسانية والتعددية الدينية.
ارتبط اسم نيكولاس روريخ في الذاكرة الثقافية العالمية بمشروعه الشهير المعروف بـ “ميثاق روريخ” (Roerich Pact)، والذي دعا فيه إلى حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة (Stein, 1999). إلا أن هذا الجانب القانوني لا يمكن فصله عن خلفيته الفكرية الأعمق، حيث اعتبر روريخ أن الثقافة والفن يمثلان لغة كونية تتيح للبشر تجاوز انقساماتهم، والالتقاء عند ما يجمعهم من قيم مشتركة.
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك البعد الإنساني في فلسفة روريخ عبر ثلاثة محاور:
(1) نقد التشدد الديني كمصدر للنزاعات، (2) الثقافة كجسر إنساني لبناء السلام، (3) المقاربة القرآنية التي تلتقي مع رؤيته في تأصيل المساواة والتعددية.
كيف يمكن لفلسفة روريخ الإنسانية، القائمة على رفض التفوّق والتشدد، أن تلتقي مع المرجعية القرآنية التي تؤكد المساواة والتنوع؟ وهل يمكن النظر إلى مشروع روريخ باعتباره تعبيرًا ثقافيًا عصريًا عن رؤية دينية قرآنية أصيلة؟
يرى روريخ أن السبب الجذري للنزاعات الإنسانية يكمن في “القراءة المعتلة للدين”، حيث يتحول الدين من منظومة قيمية إلى أداة صراع وإقصاء (Wilkins, 2002). في كل الأديان، هناك تيارات متشددة تزعم أن فهمها الخاص للحقيقة هو وحده الذي ينبغي أن يلتزم به الآخرون. هذه النزعة، في نظر روريخ، هي التي تؤدي إلى الانغلاق الفكري، وإلى تبرير الحروب بوصفها دفاعًا عن “المعتقدات المؤلَّهة” (Young, 2011).
لقد وقف روريخ ضد هذه النزعات لا عبر العنف، بل عبر نشر ثقافة التسامح، مؤكدًا أن الاختلاف سنة إنسانية لا قيام للجماعة البشرية إلا بها.
يعتبر روريخ الثقافة ذاكرة جمعية للبشرية، وهي مبجلة بالمعنى الرمزي لأنها تمثل المشترك الإنساني الذي لا يجوز تدميره في النزاعات. وقد نصّ “ميثاق روريخ” (1935) على حماية المؤسسات الثقافية، وهو ما اعتبر سابقة قانونية أثّرت لاحقًا في اتفاقية لاهاي 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية (Stein, 1999).
من خلال الفن والرموز الجمالية، كان روريخ يسعى إلى تكريس قيم “الخير، والعدل، والحق” بوصفها مبادئ تتجاوز الانتماءات الضيقة. ويرى بعض الباحثين أن مشروعه أقرب إلى “لاهوت ثقافي عالمي” يضع الثقافة في موقع المرجعية العليا (Wilkins, 2002).
يلتقي تصور روريخ مع النص القرآني في تأصيل المساواة الإنسانية ورفض أي دعوى تفوّق قائمة على العرق أو الدين:
المساواة الإنسانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).
التعددية الدينية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ (البقرة: 62).
الاختلاف كحقيقة مطلقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الحج: 17).
هذه النصوص تجعل معيار التفاضل قائمًا على التقوى والعمل الصالح، لا على الانتساب الطائفي أو العرقي، وهو ما يتقاطع بشكل واضح مع ما دافع عنه روريخ في فلسفته.
يتضح من خلال المقارنة أن مشروع روريخ الإنساني، القائم على نشر ثقافة التسامح والسلام وحماية الثقافة كذاكرة جمعية للبشرية، يجد صدى في التصور القرآني الذي أسس لقاعدة كونية: المساواة، والتقوى، والعمل الصالح.
ومن ثم، فإن رؤية روريخ ليست مجرد مثالية طوباوية، بل هي محاولة معاصرة لتجسيد قيمة أصيلة أكّدها القرآن العظيم: أن السلام الإنساني لا يتحقق عبر الإقصاء والتشدد، بل عبر الاعتراف بالاختلاف والتعاون على الخير والعدل والحق.

Stein, S. (1999). Nicholas Roerich and the Pact for the Protection of Cultural Property. Journal of World History, 10(2), 273–302.
Wilkins, P. (2002). Roerich’s Philosophy of Culture and Peace. Cultural Studies Review, 8(1), 45–63.
Young, J. (2011). Religion, Extremism, and the Humanist Response: Lessons from Nicholas Roerich. Comparative Philosophy, 2(3), 89–108.

أضف تعليق