
يمثل الخطاب السياسي الغربي حول “الخطر الروسي” إحدى أبرز تجليات التوترات الجيوسياسية في العقدين الأخيرين. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، أعاد حلف شمال الأطلسي (الناتو) صياغة استراتيجيته الأمنية على أساس التوسع شرقًا، في مقابل شعور روسي متنامٍ بالحصار الاستراتيجي. غير أن ما يثير التساؤل هو استمرار الساسة الأوروبيين في التحذير المكثف لشعوبهم من “تهديد روسي وشيك”، رغم إدراكهم أن ميزان القوة التقليدية يجعل من المستبعد أن تقدم روسيا على اجتياح أراضٍ خاضعة مباشرة للحماية الأطلسية. هنا تبرز إشكالية الجهالة السياسية كآلية لإدامة خطاب الخوف، أكثر مما تعكس واقعًا عسكريًا موضوعيًا.
تشير خارطة أوروبا السياسية إلى تحوّل جذري منذ عام 1991 حتى عام 2025؛ إذ انتقلت دول كانت جزءًا من المجال الحيوي السوفيتي (بولندا، دول البلطيق، رومانيا، بلغاريا، وغيرها) إلى عضوية الناتو والاتحاد الأوروبي.
هذا التوسع يُقرأ في موسكو باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، ما يفسّر جزئيًا التحرك العسكري الروسي في جورجيا (2008) وأوكرانيا (2014، 2022).
وفق أدبيات الأمن (Waltz, Mearsheimer)، فإن ما يحدث يندرج تحت منطق “معضلة الأمن” (Security Dilemma)، حيث يُفسر توسع طرف على أنه عدوان محتمل من قبل الطرف الآخر.
يمكن تفسير الخطاب الغربي عبر مفهوم الإسقاط النفسي (Psychological Projection)، حيث تنسب النخب السياسية نواياها التوسعية أو مخاوفها الداخلية إلى “الطرف الآخر”.
الغرب، الذي استند في استراتيجيته إلى التوسع شرقًا، قد يُسقط هذه الرغبة على روسيا، فيرى فيها طموحًا توسعيًا مشابهًا.
هذا الخطاب يجد تجاوبًا جماهيريًا لأنه يعتمد على إثارة مخيال الخطر الخارجي الذي يسهُل على الشعوب الانقياد وراءه (وفقًا لدراسات Tilly حول “اختراع العدو” بوصفه أداة للتماسك الداخلي).
انقياد “السواد الأعظم” من الشعوب وراء هذا الخطاب يعكس قابلية للاستجابة للـ”بروباغندا الأمنية”.
يمكن هنا الاستفادة من تحليلات نعوم تشومسكي عن “صناعة القبول” (Manufacturing Consent)، حيث تُصاغ المخاوف الجماهيرية بطريقة تجعلها متوافقة مع مصالح النخب السياسية-الاقتصادية.
الجهالة السياسية ليست مجرد نقص في الوعي، بل هي نتاج منظومات إعلامية وسياسية تنتج سرديات تُغيب الجذور الحقيقية للصراعات.
من منظور الأمن الجماعي، فإن روسيا والاتحاد الأوروبي يتقاطعان في الهدف ذاته: ضمان أمن شعوبهما.
غير أن التعارض يكمن في الوسائل؛ فالروس يرون في وقف توسع الناتو شرطًا لبقاء توازن القوى، بينما يرى الأوروبيون في التوسع ضمانًا لأمنهم.
لذلك، فإن إعادة التفكير في الخطاب الأمني تستلزم تحريره من الجهالة السياسية، أي منطق “الخطر المصطنع”، والاعتراف بالبعد التفاعلي لمعضلة الأمن.
إن تصوير روسيا كتهديد دائم للغرب قد يكون انعكاسًا لقصور سياسي أكثر مما هو استجابة لمخاطر واقعية. فالمقارنة البسيطة بين خريطة أوروبا عام 1991 وخريطتها عام 2025 تكفي للكشف عن الطرف الذي تمدد فعليًا على حساب الآخر. إن تجاوز “الجهالة السياسية” يتطلب خطابًا عقلانيًا يعترف بمصالح جميع الأطراف، بدلًا من استدامة المخاوف عبر صناعة عدو خارجي متخيَّل.
Waltz, K. (1979). Theory of International Politics.
Mearsheimer, J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics.
Chomsky, N., & Herman, E. (1988). Manufacturing Consent.
Tilly, C. (1992). Coercion, Capital, and European States.
Sakwa, R. (2015). Frontline Ukraine: Crisis in the Borderlands.
