هل كان اندحار العثمانيين عند ابواب فيينا عام 1683 مقدمة لخسارتهم الحرب العالمية الأولى؟

بعد هزيمة 1683 ومعاهدة كارلوفيتش (1699)، دخلت الدولة العثمانية مرحلة من التراجع التدريجي. على مدى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تآكلت الأراضي العثمانية في البلقان والقوقاز وشمال أفريقيا بفعل الضغوط الأوروبية الداخلية والخارجية. تزامن هذا مع أزمة مالية خانقة جعلت الباب العالي يعتمد بشكل متزايد على القروض الأوروبية، ما عمّق تبعيته للنظام المالي الغربي.
مع مطلع القرن التاسع عشر، ظهر مصطلح “الرجل المريض” لوصف الإمبراطورية التي بدت عاجزة عن إصلاح نفسها في مواجهة أوروبا الصناعية الصاعدة. محاولات التحديث مثل التنظيمات العثمانية (1839–1876) لم تفلح في إحداث قطيعة مع الأزمات البنيوية، بل كشفت هشاشة الدولة في مواجهة القوميات الصاعدة (الصرب، اليونان، البلغار) وضغوط القوى الكبرى (روسيا، بريطانيا، فرنسا).
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، دخل العثمانيون في تحالف مع ألمانيا والنمسا-المجر، في محاولة يائسة لاستعادة النفوذ ومواجهة روسيا القيصرية. غير أنّ الحرب مثّلت التحدي الأكبر لدولة مثقلة بالأزمات:
الهزائم المتكررة على الجبهات، باستثناء بعض الانتصارات الرمزية (مثل جناق قلعة 1915).
تفكك الجبهة الداخلية بفعل التعددية القومية والدينية.
التدخل الأوروبي المباشر في أراضيها (الحملة البريطانية في بلاد الشام والعراق، الثورة العربية الكبرى).
بهزيمة ألمانيا وحلفائها عام 1918، سقطت الإمبراطورية العثمانية نهائيًا. ووقّعت على معاهدة سيفر (1920) التي قسمت أراضيها، قبل أن تنبثق الجمهورية التركية الحديثة.
يمكن النظر إلى هذا السقوط باعتباره ذروة مسار طويل بدأ فعليًا منذ إخفاق العثمانيين عند أبواب فيينا 1683: فالهزيمة هناك لم تكن مجرد خسارة عسكرية، بل بداية لتآكل الثقة في القوة العثمانية، وانطلاق مسار تراجعي لم تستطع الدولة كسره، رغم محاولات الإصلاح المتكررة.
تطرح معركة فيينا الثانية (1683) سؤالًا جوهريًا في تاريخ الإمبراطورية العثمانية: هل كان إخفاقها أمام أسوار المدينة هو العامل الحاسم الذي قاد إلى تفككها بعد قرنين ونصف؟
الإجابة تستوجب التمييز بين مستويين:
المستوى الواقعي: الهزيمة في فيينا دشّنت منعطفًا استراتيجيًا، إذ حوّلت المبادرة العسكرية إلى أوروبا، وأطلقت سلسلة من الحروب والمعاهدات التي قلّصت الأراضي العثمانية. كما كشفت الأزمة البنيوية في الاقتصاد والجيش والإدارة. بهذا المعنى، كان الحدث نقطة انطلاق لمسار الانحدار الطويل الذي انتهى في الحرب العالمية الأولى.
المستوى الافتراضي: لو سقطت فيينا بيد العثمانيين، لكان التاريخ الأوروبي قد تغيّر: انهيار آل هابسبورغ، تعزيز النفوذ العثماني في قلب القارة، وتأخير صعود النظام الأوروبي الحديث. غير أنّ العوامل الداخلية – من الاقتصاد الريعي، وجمود الإنكشارية، والفجوة التكنولوجية – تجعل من الصعب تصور أن الانتصار العسكري كان سيغيّر الاتجاه العام. ربما كان سيطيل عُمُر الإمبراطورية، لكنه لم يكن ليمنع حتمية أفولها.
إنّ دراسة مثل هذا السيناريو البديل لا تهدف إلى إعادة كتابة التاريخ بقدر ما تكشف هشاشته، وتبرز أن مسارات القوى الكبرى لا تحددها المعارك وحدها، بل تتشابك فيها العوامل البنيوية الداخلية مع التوازنات الدولية. من هنا، فإن معركة فيينا 1683 لم تكن فقط نهاية لمرحلة الغزوات العثمانية، بل بداية لسؤال أعمق حول قدرة الإمبراطوريات على التكيّف أو الانهيار أمام تحولات التاريخ.

أضف تعليق