الإنسان وسوء الظن… لحظة الانفصال عن الطبيعة

يتميّز الإنسان في تاريخه التطوري بلحظة فارقة خرج فيها على منظومة الطبيعة التي احتضنته ملايين السنين. فإذا كان الحيوان يظل خاضعًا لنواميس الطبيعة الصارمة، بحيث تحكم أفعاله وردود أفعاله غريزة دقيقة وقوانين ثابتة لا تسمح بهدر أو تجاوز، فإن الإنسان قد انفتح على مجال جديد تتدخل فيه المحددات المزاجية والخيالات النفسية والانفعالات غير المضبوطة. ومن بين هذه المحددات يظهر “سوء الظن” كأحد أبرز تجليات انفصاله عن منطق الطبيعة.
الحيوان في علاقاته ببني نوعه أو بغيره من الأنواع الأخرى يتصرف ضمن نسق محسوب بدقة، قائم على التوازن بين الخطر والنجاة. فلا مكان عند الحيوان للافتراضات المبالغ فيها أو الحسابات المتوهمة. إن غريزته تحكمها الطبيعة بأقصى درجات الاقتصاد: لا إسراف في الطاقة، ولا هدر في الانفعالات، ولا تبذير في السلوكيات التي لا تزيده بقاءً أو لا تدفع عنه تهديدًا.
لكن الإنسان، حينما خطا إلى مرحلة جديدة من تاريخه التطوري، بدأ يقرأ الآخر قراءة متناقضة ومضطربة. فكل نظرة، أو حركة، أو تغير في نبرة الصوت، تتحول عنده إلى مؤشر على نوايا مستترة. يتخيل في الآخر عداوةً، أو استهزاءً، أو حقدًا كامنًا. وبدلًا من أن يكون سلوكه انعكاسًا مباشراً لنواميس البقاء، صار أسيرًا لشبكة من التوجسات والارتيابات التي لا أصل لها إلا في عالمه النفسي.
ينبع سوء الظن من عجز الإنسان عن القيام بحساب موضوعي دقيق لنوايا الآخر، وهو عجز يرتبط بتضخم جهازه العاطفي والخيالي مقارنة بالحيوان. وبسبب هذا العجز، كثيرًا ما يدفعه سوء الظن إلى العدوان وردود أفعال عدائية تزرع الانقسام داخل الجماعة الإنسانية. هنا يظهر البعد الاجتماعي لسوء الظن: إنه ليس مجرد انفعال فردي، بل آلية تفكك داخل البنية الاجتماعية للبشر.
يلتقط القرآن الكريم هذه الخاصية الفريدة من سلوك الإنسان، فيحذر منها بوصفها تهديدًا للعلاقات الاجتماعية:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات: 12).
فالظن عند الإنسان ليس مجرد خطأ معرفي، بل إثم أخلاقي له تبعات واقعية على استقرار الجماعة. وهنا يبرز البعد القرآني كإطار يضع حدودًا لهذا الانفصال البشري عن الطبيعة، داعيًا الإنسان إلى العودة إلى نوعٍ من الانضباط الذي يشبه ما رسّخته الطبيعة في الحيوان.
إن “سوء الظن” يكشف عن خصوصية الإنسان، لكن في جانب سلبي يتعارض مع حكمة الطبيعة. فهو سلوك غير اقتصادي، هدر للطاقة النفسية والاجتماعية، وانزلاق إلى عدوانية لا تضيف خيرًا ولا تدفع شرًا. وفي المقابل، جاء التحذير القرآني ليعيد ضبط هذا الانفلات، وليذكّر الإنسان بأن نجاته الجمعية لا تكون إلا بترشيد نوازعه الداخلية وضبط مخيلته، حتى لا يُفقده سوء الظن ما حرصت الطبيعة طويلاً على أن تحمي الحيوان منه.

أضف تعليق