بأيِّهما يُزحزَحُ المرءُ عن النارِ ويُدخَلُ الجنة: عقلٌ ممتلئٌ عِلماً أم قلبٌ خالٍ من الكِبر؟

بماذا يتمايزُ البشرُ فيما بينهم التمايزَ الحق الذي لا يُمازجُه شيءٌ من سفاسفِ الأمورِ التي يحرصون على الاستزادةِ من اقتنائِها بغيةَ التفاخرِ بها؟
يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ ما ينبغي أن يحرصَ المرءُ على اقتنائِه وحيازتِه هو عقلٌ ممتلئٌ بالمعرفة يكفل له أن يستشعرَ تمايزَه عن نظرائه وأندادِه أو حتى أعدائه. ولذلك ترى السوادَ الأعظم من البشر يقدِّرون عالياً كلَّ مَن امتلكَ ناصيةَ المعرفة فأصبح بها ممن ترنو إليهم الأبصار. ولذلك كان الفلاسفةُ والمفكرون والعلماء أكثرَ الناسِ حظوةً عند الجماهير إذا ما استُدعِيَ التمايزُ غيرُ القائمِ على كلِّ ما هو ذو صلةٍ بالرياضةِ الشعبوية والفن الشعبوي. فالناسُ ليسوا في واردِ تقييمِ المرء المتميز بأمرٍ ذي صلةٍ بقدرتِه على التحلِّي بانضباطٍ ذاتي يتيح له أن يُحكِمَ سيطرتَه على ما تمتلئُ به النفسُ البشرية من نوازعِ الغرورِ والتكبُّر والأثرة والشُّحِّ والبُخل والكِبرِ والعُجب. فهذه كلُّها أمورٌ لا تجعل المتَّصفَ بها ذا حظوةٍ عند الجمهور الذي درجَ على النظر إلى أناسٍ من مثلِ آينشتاين وداروين وفرويد على أنَّهم تجلياتٌ لعبقريةِ الإنسان العابرةِ للأزمان.
وهذا الذي أجمعت عليه الغالبيةُ العظمى من الناسِ على مرِّ العصور، وباختلافِ الحضارات، لَيتناقضُ كلياً مع ما جعله اللهُ تعالى معياراً وحيداً يتفاضلُ الناسُ عنده بموجبِه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13 الحجرات). فالتقوى إذاً هي معيارُ التفاضلِ هذا. والتقوى إذاً، وليس شيءٌ آخر، هي ما يجعلُ المرءَ مقرَّباً من اللهِ تعالى. وهذه التقوى قد حدَّد اللهُ تعالى معالمَ الطريقِ المفضي إليها بما فصَّلته آياتُ قرآنِه منهاجاً تعبُّدياً صارماً يطالب مَن اختارَ بإرادتِه الحرة أن ينتهجَه بأن يأخذَ نفسَه بالحزمِ والشدة، وأن يحرصَ الحرصَ كلَّه على ألا يمكِّنها منه لتعيثَ في قلبِه تلويثاً وإفساداً. وقوامُ هذا المنهجِ الإلهي هو العملُ بكلِّ ما يقتضيه أمرُ إخلاءِ القلب من كلِّ ما من شأنِه أن يجعلَ صاحبَه مغروراً متكبراً مهووساً بنفسِه التي أما وأنه قد أسلمَ لها قيادَه فلن تدعه يعاملُ الناسَ إلا بما يُديم عليه سُبُلَ الاستزادةِ من الكِبرِ والتَّيهِ والخيلاء. ولذلك قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم محذِّراً الذين آمنوا من عاقبةِ هذا الكِبر: “لا يدخلُ الجنةَ مَن كان في قلبِه مثقالُ ذرةٍ من كِبرٍ”. ولذلك أيضاً قال المتصوفُ الأشهر عبد القادرِ الكيلاني: “اشتغلْ بطهارةِ قلبك أولاً فإنه فريضة، ثم تعرَّضْ للمعرفة؛ إذا ضيَّعتَ الأصل لا يُقبَلُ منك الاشتغالُ بالفرع”.

أضف تعليق