قصّ الأثر… الجذور العربية لكلمات Seek – Search – Chase

يشكّل علم التأثيل اللغوي (Etymology) نافذة على الذاكرة العميقة للإنسان، حيث تكشف الكلمات عن مساراتها الطويلة الممتدة عبر الزمن والحضارات واللغات. وقد درجت مدارس التأثيل الهندو-أوروبي على ربط الكلمات الأوروبية بجذور لاتينية أو جرمانية أو يونانية، لكنها كثيرًا ما أغفلت احتمالية أن تكون هذه الجذور بدورها متفرعة عن جذور أقدم وأعمق في العربية القديمة، بوصفها لسانًا بدئيًا ارتحل مع الإنسان منذ هجراته الكبرى.
الكلمات الثلاث: seek, search, chase تقدم نموذجًا دالًا على هذه الحقيقة؛ إذ تعود جميعها إلى الجذر العربي الواحد قصّ، الذي ما زال يحتفظ في طياته بمعاني “التتبع والمطاردة والاستقصاء”.

الأصل العربي لكلمة Seek

في العربية، من معاني كلمة قصّ: “تَتَبَّع”، ومنه التعبير قصّ الأثر أي تبعه خطوة بخطوة. كما أن قصّاص الأثر كان رجلًا مهمته ملاحقة آثار القوافل والطريدة.
عبر التطور الصوتي: تحوّل ق إلى k (وهو تحوير مألوف في اللغات الجرمانية).
ثم خفّف البناء اللفظي، فتقدّم الحرف الأخير (ص/s) ليحتل موقعًا متبادلاً مع الأول.
وهكذا تكوّنت كلمة seek بمعنى “يطلب، يتتبع”.

الأصل العربي لكلمة Search

إن كلمة search ليست إلا فرعًا صوتيًا من الكلمة الأصلية seek.
أضيف حرف r في البنية الداخلية، كما يحدث كثيرًا في تطور الكلمات الأوروبية لإطالة المقطع الصوتي.
تحوّل حرف k إلى ch نتيجة ظاهرة التليين (palatalization).
النتيجة: نشأت search بمعنى “التفتيش والتنقيب”، وهو توسع دلالي طبيعي من “تتبّع الأثر” إلى “البحث الدقيق”.

الجذر العربي لكلمة Chase

ترتبط كلمة chase ارتباطًا وثيقًا بالجذر نفسه قصّ.
تحوّل ق إلى ch (كما في انتقال caput اللاتينية إلى chef الفرنسية).
تحوّل ص إلى s عبر التخفيف.
الدلالة بقيت ثابتة: من “قصّ الأثر” إلى “مطاردة الطريدة”. وفي هذا السياق يمكن مقارنة chase باللفظة العربية قنص، وهي ابنة نفس الحقل الدلالي: المطاردة بقصد الإمساك.

إذاً فالجذر العربي قصّ تفرّع في ثلاث مسارات أوروبية:
seek = التتبع/الطلب.
search = التفتيش/الاستقصاء.
chase = المطاردة/الصيد.
وهي مسارات صوتية ودلالية متباينة، لكنها جميعًا تحتفظ بوشائج قوية مع المعنى الأصلي: التتبع الحثيث لشيء أو هدف.
إن هذه الأمثلة الثلاثة تمثل شاهدًا على أن الكثير من الكلمات الأوروبية لا تُفهم تمامًا إذا حُصرت في إطارها الهندو-أوروبي الضيق. إنما هي امتدادات لجذور عربية قديمة ارتحلت مع الإنسان في بدايات تشكل لغاته.
من هنا، لا ينبغي لعلم التأثيل أن يبقى أسيرًا لصراع أيديولوجي أو عرقي يتغافل عن هذه الحقيقة؛ فالبشر — مهما تباينت لغاتهم لاحقًا — كانوا في الأصل أبناء عائلة لغوية واحدة. الاعتراف بهذا الماضي المشترك ليس خسارة للهوية، بل استعادة لإنسانيتنا الكلية.

أضف تعليق