
ما الذي يقتضيه الأمرُ حتى تصبحَ الداروينيةُ منهجاً عِلمياً مبرَّءاً من أيِّ “ميتافيزيقا بايولوجية” تنطلقُ من تصوراتٍ مسبقة وأحكامٍ نمطيةٍ مفترضة؟
بدايةً لابد للداروينية من أن تنزعَ عنها رداءَ المقاربةِ الآنثروبومورفية حتى تتمكَّنَ من أن تنظرَ إلى عالَمِ الطبيعة بتجرُّدٍ من كلِّ تصورٍ فلسفي سابقٍ لمعطياتِ “الظاهرةِ والتجربة”. فالداروينيةُ بصيغتِها الحالية لن تجعلَنا نعرفَ الإنسان على حقيقتِه، ولن تمكِّنَنا من التعليلِ لسلوكياتِه وردودِ أفعالِه، بهذا الإصرارِ من جانبِها على النظرِ إليه على أنَّه امتدادٌ طبيعي للحيوان.
أما الداروينية الجديدة، ومن بعدِ تمامِ التقيُّدِ بتلافي ما سبق ذِكرُه من أخطاءٍ معرفية ومنهجية، فإن بمقدورِها أن تقدِّمَ لنا تصوراً صائباً للإنسان حتى وإن كان يفتقرُ إلى ما بوسعِه أن يُجيبَ على كثيرٍ من الأسئلةِ التي لم تخطر ببالِ داروين ومَن جاء بعده. يكفي الداروينيةَ الجديدة أنها سوف تتبرأ من أيِّ أحكامٍ مسبقة، وتتخلى عن نزعةِ تمجيدِ الإنسان بوصفِه الكائنِ الأكثرَ رقياً على الإطلاق أما وأنه الأكثرُ اكتمالاً، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بمسيرتِه التطورية في شقِّها البايولوجي. وحدها الداروينيةُ الجديدة بمقدورِها أن تتحلَّى بالجرأةِ والشجاعة على أن تعترفَ بأنَّ العِلمَ الذي بين أيدينا ليس بمقدورِه أن يعلِّلَ لكثيرٍ من سلوكياتِ الإنسان التي أصرَّت الداروينيةُ التقليدية على أن تفسِّرَها وفقاً لقوانينَ بايولوجية وفسيولوجية هي في حقيقتِها غير مؤهلة للقيامِ بذلك. وبذلك تكونُ الداروينية الجديدة قد مهَّدت لنا الطريقَ إلى تصورٍ أكثر امتثالاً لمقتضياتِ المنهجِ العِلمي، حتى وإن كانت عاجزةً عن تقديمِ الإجابةِ الوافية على كثيرٍ من الأسئلةِ المتعلِّقة بسلوكياتِ الإنسان التي جعلته كياناً غامضاً بالمقارنةِ بسلفِه الحيوانِ الذي استطاعت الداروينيةُ التقليدية أن تفسِّرَه بالتمامِ والكلية.
