
منذ أن صاغ تشارلز داروين نظريته في أصل الأنواع (1859)، ظلّت الداروينية تمثل الإطار الأكثر تأثيرًا في تفسير التنوع الحيوي وتاريخ الكائنات الحية. غير أن هذا النفوذ العلمي لم يكن يخلو من محمولات فلسفية وأحكام مسبقة، جعلت النظرية تتحول من فرضية بيولوجية تجريبية إلى ما يشبه الميتافيزيقا البيولوجية التي تسعى لشرح كل شيء، من السلوك الحيواني إلى الوعي الإنساني. وهنا تبرز الإشكالية: هل يمكن إصلاح الداروينية بحيث تعود إلى كونها منهجًا علميًا متجردًا، خاليًا من التحيزات الفلسفية والأنثروبومورفية؟
الداروينية في صيغتها الكلاسيكية لم تقتصر على تفسير التكيف والتنوع الحيوي، بل ذهبت أبعد لتسقط قوانينها على الإنسان، مُصوِّرةً إياه كامتداد مباشر لسلفه الحيواني. هذا الإسقاط أدى إلى اختزال الإنسان في منظومة قوانين بيولوجية وفسيولوجية، وهي مقاربة وُصفت بالنزعة “الميتافيزيقية” لأنها تنطلق من افتراضات أكثر مما تستند إلى بيانات تجريبية.
النقاد – من ستيفن جاي غولد إلى ريتشارد لوينتن – أشاروا إلى أن هذه “التكيفوية المفرطة” (over-adaptationism) تجعل النظرية تنغلق على ذاتها بدلًا من أن تتسع لظواهر لا تفسَّر بالبيولوجيا وحدها.
إحدى الإشكاليات البنيوية التي تواجه الداروينية التقليدية هي وقوعها في الأنثروبومورفية المعكوسة: فهي من جهة تسقط صفات إنسانية على الحيوان لتسهيل تفسير سلوكه، ثم تعود لتصوّر الإنسان مجرد “حيوان أكثر تطورًا”. هذه الدائرة المفرغة تجعل النظرية عاجزة عن تفسير ظواهر مثل الرمزية، الإبداع، الدين، أو القدرة على سوء الظن والخيال، وهي خصائص لا يمكن أن تُفهم في ضوء قوانين التكيف العضوي وحدها.
هنا يبرز ما نبّه إليه جاك مونو في الصدفة والضرورة، حين أكد أن إدخال “القيمة” إلى التفسير العلمي يفسده، وأنه يجب التفريق بين وصف العمليات الطبيعية وبين إضفاء أحكام معيارية عليها.
رغم هذا القصور، فإن الداروينية ليست نظرية محكومًا عليها بالانهيار؛ بل يمكن إصلاحها إذا ما جرى إخضاعها لشروط صارمة:
التحرر من الأنثروبومورفية: أي التعامل مع الحيوان والإنسان وفق أنظمتهما السلوكية الخاصة دون إسقاط اختزالي.
الاعتراف بالحدود التفسيرية: القبول بأن البيولوجيا لا تستطيع وحدها تفسير كل جوانب الإنسان، خصوصًا في ما يتعلق بالوعي والمعنى.
الفصل بين “الوصف” و”القيمة”: العلم يصف الظواهر ولا يحكم على رقيّها أو انحطاطها.
التكامل العابر للتخصصات: تطوير داروينية موسّعة (Extended Darwinism) تنفتح على علوم الأعصاب، الفلسفة، والأنثروبولوجيا.
إذا التزمت الداروينية بالإصلاح، فإنها ستتحول إلى إطار منهجي يتسم بـ:
الصرامة التجريبية: الاقتصار على ما يمكن إثباته تجريبيًا.
التواضع المعرفي: الاعتراف بأن ثمة أسئلة (المعنى، الحرية، الغائية) تقع خارج نطاق التفسير البيولوجي الصرف.
الانفتاح البنائي: الاستعداد لدمج معطيات العلوم الجديدة بدلًا من الانغلاق على نموذج القرن التاسع عشر.
بهذا المعنى يمكن الحديث عن داروينية جديدة أكثر قدرة على وصف مسيرة التطور الحيوي دون أن تدّعي القدرة على تفسير كل ما يخص الإنسان.
هل يمكن إصلاح الداروينية؟ الجواب ليس نفيًا قاطعًا ولا إثباتًا مطلقًا، بل هو مشروط: الإصلاح ممكن شريطة أن تتحول النظرية من ميتافيزيقا بيولوجية إلى منهج نقدي مفتوح، يقبل بحدوده ويستند إلى التكامل المعرفي. هذا التحول لا يقدّم إجابة نهائية عن ماهية الإنسان، لكنه يفتح الطريق إلى علم أكثر تواضعًا وصرامة، يفسح المجال أمام الفلسفة والعلوم الإنسانية لتشارك في النقاش حول الإنسان والوجود.
