كيف اصطفى اللهُ تعالى آدمَ على العالَمين؟

يخبرنا القرآنُ العظيم بأنَّ اللهَ تعالى اصطفى آدمَ على العالَمين، وذلك فيما فصَّلته الآيةُ الكريمة 33 من سورةِ آل عِمران: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). والاصطفاءُ، وفقاً للقرآنِ العظيم، يأتي بمعانٍ عدة؛ منها أنه اختيارٌ إلهي يصبحُ مَن اصطفاه اللهُ بمقتضاه مكلَّفاً بحملِ رسالةِ اللهِ تعالى إلى قومِه:
1- (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) (من 144 الأعراف).
2- (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) (من 59 النمل).
3- (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ. إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ. وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) (45- 47 ص).
4- (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (130 البقرة).
5- (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (75 الحج).
ومن معاني الاصطفاء في القرآنِ العظيم أيضاً، أنه اختصاصٌ إلهي يصبح الذي اصطفاه اللهُ بموجبِه مميَّزاً بميزاتٍ استثنائيةٍ خاصة:
1- (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (42 آل عِمران).
2- (أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (153- 154 الصافات).
3- (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (4 الزمر).
4- (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (247 البقرة).
ومن معاني الاصطفاء في القرآنِ العظيم أيضاً، أن يختارَ اللهُ تعالى أمراً مميزاً متصفاً بما يجعله أهلاً لأن يختصَّ به مَن شاء أن يجعلَهم من عبادِه المصطفَين، وذلك كما اصطفى اللهُ الإسلامَ الإبراهيمي واختصَّ به آلَ إبراهيم: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (132 البقرة).
ولا يُشترَطُ بالاصطفاءِ الإلهي أن يكونَ الذين اصطفاهم الله على ذاتِ الحال مع اللهِ تعالى، فالاصطفاءُ الإلهي هنا يكفلُ لمن اصطفاه الله أن يحظى بفرصةٍ تتيح له، إن هو أحسنَ الإفادةَ منها، أن يكونَ من عبادِ اللهِ المخلَصين وإلا فلن ينتفعَ من هذا الاصطفاء شيئاً. وخير مثال على ذلك اصطفاءُ اللهِ تعالى لبَني إسرائيل إذ آتاهم ما لم يؤتِ أحداً من العالَمين من آياتِه وكتبِه والعديد من رسُلِه، فكفرَ مَن كفر وآمنَ مَن آمن: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) (20 المائدة)، (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (83 البقرة). وهذا هو ما فصَّلته الآيةُ الكريمة 32 فاطر: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ).
فكيف اصطفى اللهُ إذاً آدمَ على العالَمين؟
تنطوي الإجابةُ على هذا السؤال على تجلٍّ آخر من تجلياتِ الاصطفاءِ الإلهي في القرآنِ العظيم. فاللهُ تعالى اصطفى آدم على القومِ الذين أشارت إليهم الملائكةُ بأنهم كانوا يفسدون في الأرضِ ويسفكون الدماء: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (من 30 البقرة). فاللهُ تعالى أصدرَ أمرَه للملائكةِ بأن يتوجهوا إلى الأرض ليُهلِكوا القومَ المفسدين وأن يُبقوا على واحدٍ منهم بِعينِه “خليفةً” من بعدِهم. وهذا الاستخلافُ في الأرض هو تجلٍّ آخر من تجلياتِ الاصطفاءِ الإلهي في القرآنِ العظيم.

أضف تعليق