نحو “ميتافيزيقا بيولوجية” جديدة…. محاولة لفهم اللغز البشري

لم يكن وليد الصدفة أن يجد باحثون في علم الأحياء أنفسهم مدفوعين لفتح حوار مع الفلسفة، مما أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته “الميتافيزيقا البيولوجية”. لقد كانت الأبحاث البيولوجية، خاصة في سياق نظرية التطور، تضعنا وجهًا لوجه مع أسئلة وجودية عميقة حول الحياة، الهوية، والوعي، التي لم يكن بوسع الأدوات العلمية وحدها الإجابة عنها. ورغم أن هذا التوجه الجديد كان يمثل جرأة فكرية في التعامل مع مسلمات بيولوجية ثابتة، إلا أنه سرعان ما وجد نفسه أسيرًا للمحددات
التي فرضتها عليه مدرسة البيولوجيا التطورية.
لقد ارتبطت “الميتافيزيقا البيولوجية” ارتباطًا وثيقًا بالمنهجية التطورية، مما قيدها في مقاربتها للظاهرة الإنسانية. ورغم أنها حاولت تفسير الدين، والأخلاق، والسلوك العاطفي والعقلاني من منظور تطوري بحت، إلا أنها أحجمت عن التعامل مع أكثر مظاهر الإنسان غرابةً وإثارةً للشك: فرادة السلوك البشري.
لقد فرضت قوانين الطبيعة على الحيوان أن يمتثل لإرادة نوعه، فكل سلوك يخدم البقاء والتكاثر. أما الإنسان، فقد كسر هذه القاعدة، وتفرد بظاهرة العدوان الفردي والنزاعات الجماعية التي أدت إلى حروب ومجازر وإبادات. هذا السلوك يتنافى تمامًا مع مبدأ المنفعة التطورية، فما الفائدة التطورية التي تعود على النوع الإنساني من تدمير أفراده لبعضهم البعض؟ إن هذا العدوان المنفلت يطرح سؤالًا حادًا: كيف يمكن لمقاربة غائية، تزعم أن كل شيء يخدم التطور، أن تفسر هذا السلوك الذي يبدو وكأنه انحراف عن مسار الطبيعة؟
إن استثنائية السلوك البشري، الذي يتجلى بوضوح في العدوان غير المبرر من منظور تطوري، لا تمثل مجرد شذوذ، بل توجه ضربة قاضية لأي مقاربة غائية تحاول اختزال الدين، والأخلاق، والوعي البشري إلى مجرد آليات تطورية. هذه الظواهر الإنسانية المعقدة لا يمكن تفسيرها بشكل كامل من خلال عدسة المنفعة التطورية وحدها.
لذلك، يجب أن تكون المهمة القادمة للميتافيزيقا البيولوجية هي تبيان قصور المقاربة الداروينية وغيرها من المقاربات الغائية في تقديم تصور معرفي سليم عن هذا الاختلاف الجوهري بين الإنسان والحيوان. لا يمكننا أن ننكر الدور الذي لعبه التطور في صياغة الماضي البشري، لكن يجب علينا الاعتراف بأن هناك “منعطفًا تطوريًا” جعل مسيرة الإنسان تحيد عن مسارها الطبيعي.
إن الحاجة ملحة اليوم إلى تأسيس ميتافيزيقا بيولوجية جديدة قوامها التشكيك المنهجي العلمي في أي نزعة تسعى لفرض مقاربة أيديولوجية أو فلسفية مسبقة على فهمنا للظاهرة الإنسانية. يجب أن نكون مستعدين للاعتراف بأن هناك شيئًا غير طبيعي في المسار التطوري للإنسان، وأن هذا المسار المغاير هو ما يفسر المفارقات الصارخة بين السلوك البشري ونظيره الحيواني.
هذا المنهج النقدي لا يهدف إلى هدم البيولوجيا، بل إلى تحريرها من الأغلال الفكرية، لتمكينها من الانفتاح على أسئلة جديدة أكثر جرأة وواقعية، قد تقودنا في النهاية إلى فهم أكثر عمقًا للحال البشري.

أضف تعليق