
ظلّ سؤال “بماذا يتمايز الإنسان عن غيره عند الله؟” أحد أبرز الأسئلة التي شغلت العقل الإسلامي والفلسفي على حد سواء. ففي الوقت الذي احتفت فيه المجتمعات البشرية بالعلم والمعرفة باعتبارهما ذروة التمايز، طرح القرآن معياراً آخر مغايراً يتمثل في التقوى. يطرح هذا البحث إشكالية العلاقة بين العقل الممتلئ بالعلم والقلب المتحرر من الكبر، في ضوء النصوص الدينية والتجارب الروحية، مع مقاربة نقدية لفكرة التفاضل على أساس العلم وحده.
شهدت الحضارات القديمة والحديثة تقديراً بالغاً لأصحاب العلم، بوصفهم بناة الفكر والنهضة. فشخصيات مثل آينشتاين وداروين وفرويد، مثّلت في المخيال الغربي والعالمي تجليات لعبقرية الإنسان.
إلا أن هذا التقدير قائم على معايير دنيوية مرتبطة بالإبداع والاكتشاف، دون أن يقتضي بالضرورة صفاءً أخلاقياً أو روحياً. هنا تظهر المفارقة: العلم قد يمنح صاحبه حظوة دنيوية، لكنه لا يكفل له نجاة أخروية.
حدد القرآن معياراً أوحد للتفاضل بين البشر: التقوى. يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).
هذا النص يقدّم قطيعة مع المعايير البشرية للتفاضل: الجنس، العِرق، الثروة، أو حتى المعرفة. فالتقوى ـ بما تنطوي عليه من خلو القلب من الكِبر واستسلام لله ـ هي وحدها معيار الكرامة عند الله.
جاءت السنة النبوية لتؤكد خطورة الكِبر كعائق للنجاة الأخروية. قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم:
“لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر” (رواه مسلم).
هذا الحديث يجعل “طهارة القلب” شرطاً لازماً، بحيث لا ينفع مع الكبر علمٌ ولا عمل. وبذلك يتضح أن الكبر هو جوهر الفساد الباطني الذي يُحبط أثر الفضائل الأخرى.
ركزت التجربة الصوفية على مركزية القلب بوصفه موضع نظر الله. قال عبد القادر الكيلاني: “اشتغل بطهارة قلبك أولاً فإنه فريضة، ثم تعرّض للمعرفة؛ إذا ضيّعت الأصل لا يُقبَل منك الاشتغال بالفرع.”
هذا التمييز بين “الأصل” (طهارة القلب) و”الفرع” (المعرفة) يعكس انسجام التصوف مع الرؤية القرآنية: أن القلب هو الأساس، والعلم قيمة مضافة مشروطة بسلامة القلب.
في الفلسفة الأخلاقية الغربية، ميّز كانط بين المعرفة النظرية والفضيلة العملية، معتبراً أن القيمة الأخلاقية الحقيقية تُقاس بالنية الخالية من المصلحة. وبالمثل، رأى سقراط أن “المعرفة فضيلة”، لكنه اصطدم بمسألة: هل المعرفة تكفي لردع الشرور؟ النص القرآني والحديثي يحسم الأمر بأن المعرفة وحدها لا تكفي، بل لابد من انضباط القلب وتطهيره من الكبر.
يتضح من خلال المقاربة النصية والفكرية أن معيار النجاة الأخروي ليس العقل الممتلئ علماً، بل القلب الخالي من الكبر، بما يجعله قادراً على التحلي بالتقوى. العلم فضيلة معتبرة في الإسلام، لكن قيمته مرتبطة بنيّة صاحبه وتواضعه. وبذلك فإن التفاضل الحق بين البشر ـ في المنظور القرآني ـ قائم على طهارة القلب والتقوى، لا على التراكم المعرفي وحده.
