اصطفاءُ آدم في القرآن… قراءةٌ تحليليةٌ مغايرة لمفهوم “العالمين” و”تعليم الأسماء” و”بدايات الإنسان”

يطرح القرآن العظيم سؤالًا جوهريًا حول معنى اصطفاء آدم، وذلك في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 33).
فإذا كان الاصطفاء الإلهي قد تكرر في القرآن مع أنبياء وأمم، فما الذي يميز اصطفاء آدم تحديدًا؟ وهل كان هذا الاصطفاء مجرد تكريم رمزي لبداية الإنسانية، أم أنه حدث نوعي يؤسس لانعطافة كبرى في مسار الخلق البشري؟
تذهب القراءة التقليدية إلى أن اصطفاء آدم يعني تفضيله على جميع الموجودات من إنس وجن وملائكة. غير أن هذه المقالة تقترح قراءة مغايرة، تنطلق من ثلاثة مرتكزات أساسية:
أن لفظ العالمين في القرآن لا يدل إلا على البشر، لا على عموم المخلوقات.
إن الأسماء التي عُلّمها آدم ليست أسماء كل شيء، بل أسماء الملائكة أنفسهم.
إن اصطفاء آدم جاء بعد أن برأه الله من “لوثة” أصابت قومه، فجعلته خلقًا جديدًا مهيأً للاستخلاف.
الاصطفاء في القرآن ليس مفهومًا واحد البعد، بل يتنوع بين:
تكليف رسالي: كما في اصطفاء موسى بالرسالات والكلام (الأعراف: 144).
تمييز خاص: كما في اصطفاء مريم على نساء العالمين (آل عمران: 42).
اختصاص أممي: كما في اصطفاء بني إسرائيل بآيات وكتب ورسل (المائدة: 20).
ويظهر من هذا أن الاصطفاء هو في جوهره اختيار إلهي يترتب عليه ابتلاء ومسؤولية، لا مجرد تكريم سلبي.
يرى جمهور المفسرين أن “العالمين” جمع “عالَم”، ويشمل جميع أصناف المخلوقات. غير أن استقراء الاستعمال القرآني يبين أن “العالمين” لم ترد إلا للدلالة على الناس/البشر.
مثال ذلك: ﴿أُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1)؛ والمخاطَب هنا البشر لا غيرهم.
ومثله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (ص: 87).
وهذا يعني أن اصطفاء آدم على “العالمين” ليس تفضيلًا على الملائكة والجن، بل على قومه من البشر.
ذهب السواد الأعظم من المفسرين إلى أن الأسماء التي عُلّمها آدم هي أسماء كل شيء من الموجودات. غير أن ذلك يثير إشكالًا: فما علاقة معرفة أسماء الجمادات بسجود الملائكة له؟
القراءة المغايرة تفترض أن الأسماء المقصودة هي أسماء الملائكة أنفسهم. وبذلك يصبح المشهد مفهومًا:
الملائكة أقرّوا بجهلهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (البقرة: 32).
آدم عُلم الأسماء فأثبت تميّزه عليهم في ميدان معرفي يخصهم هم.
فجاء السجود تكريمًا لقدرة آدم على ما عجزت عنه الملائكة.
الرواية التقليدية تفترض أن آدم أول إنسان مطلقًا، لم يسبقه بشر. غير أن اعتراض الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (البقرة: 30) لا ينسجم مع هذا التصور، إذ يفترض خبرة سابقة بفساد قائم.
تفسير بديل هو أن آدم كان واحدًا من قوم عاشوا قبله على الأرض، أصابتهم لوثة عقلية/مرضية جعلتهم مفسدين متوحشين. ولقد شاء الله أن يصطفي آدم بأن “سوّاه ونفخ فيه من روحه”، فجعل منه خلقًا جديدًا، وإن كان يشابه قومه في البنية الجسدية.
وهذا يفسّر دهشة الملائكة: فقد ظنوا أن آدم مثل قومه، لكن الاصطفاء جعله مبرأً من عاهتهم.
من هذا المنظور، لا يكون اصطفاء آدم مجرد تكريم، بل بداية لتحول نوعي:
انتقال من بشرية مريضة متوحشة إلى إنسانية جديدة مكرّمة بالروح.
بداية عهد الاستخلاف، حيث يصبح الإنسان كائنًا حرًا عاقلًا مكلّفًا.
تأسيس للتمايز القرآني بين “الإنسان” و”البشر”، أي بين الوجود البيولوجي المجرد والوجود المكرّم بالروح.
تقدم هذه القراءة المغايرة ثلاثة مفاتيح لإعادة فهم اصطفاء آدم:
“العالمين” تعني البشر لا عموم المخلوقات.
“الأسماء” هي أسماء الملائكة لا أسماء كل شيء.
اصطفاء آدم تمثّل في كونه مبرأً من فساد قومه، بفضل نفخة الروح.
وبذلك يغدو الاصطفاء حدثًا تأسيسيًا، لا تفضيلًا عرضيًا: إنه تحول أنثروبولوجي من بشرية متوحشة إلى إنسانية عاقلة، وهو ما يفسّر كيف أصبح آدم أصلًا للنوع الإنساني في صورته المكرمة.

أضف تعليق