
تُعدّ نظرية التطور، بآلياتها الداروينية وما بعدها، حجر الزاوية في فهمنا لأصل الكائنات الحية وتكيفها مع بيئتها. إلا أن بعض السلوكيات البشرية تبدو وكأنها تتحدى قوانينها الصارمة، لتطرح تساؤلات حول قصورها في تفسير كل ما هو إنساني. ومن أبرز هذه السلوكيات رغبة الإنسان الجامحة في تغيير مظهره، ليس لأسباب تطورية بحتة، بل لأبعاد اجتماعية ونفسية تبدو منفصلة عن أصلها الحيواني.
يمكن بسهولة تتبع الأصول الحيوانية لهذه النزعة. ففي عالم الحيوان، تغيير المظهر آلية تطورية لضمان البقاء. تستخدم بعض الحيوانات التمويه للاندماج مع بيئتها وتجنب المفترسات، بينما تستخدم أنواع أخرى إظهار مظهر أكبر أو ألوان أكثر لمعانًا لجذب الشريك أو ترهيب الخصوم. كل هذه السلوكيات تخدم هدفًا تطوريًا واضحًا: البقاء والتكاثر.
لكن في عالم الإنسان، أخذت هذه النزعة منعطفًا غريبًا. فقد تحولت من آلية للبقاء إلى هدف بحد ذاته. أصبحت المبالغة في تغيير المظهر سمة إنسانية فريدة، تجلت في تنوع مذهل في الموضة والأزياء لا يتوقف عن التجدد، وصولًا إلى جراحات التجميل التي لم تعد تقتصر على تحسين بعض الملامح بل امتدت لتغيير جذري في شكل الجسم. هذا التحول يمثل مفارقة تطورية، حيث يبدو السلوك وكأنه انحرف عن مساره الأصلي، فبدلًا من أن يخدم البقاء، أصبح يخدم معايير جمالية واجتماعية متغيرة.
إن هذه المبالغة في تغيير المظهر البشري تشكل إحراجًا للنظرية التطورية التي تعتقد أن كل السلوكيات الإنسانية يمكن ردّها إلى أصول حيوانية. إذا كان الهدف من التغيير هو فقط جذب شريك أو ترهيب خصم، فلماذا كل هذا التعقيد في الموضة؟ ولماذا يلجأ الإنسان إلى عمليات تجميل قد تكون خطرة وتتطلب موارد هائلة، في حين أن التطور كان يمكن أن يحل هذه المشكلة بآليات أبسط؟
لا يمكن تفسير جراحات تجميل الأنف أو تغيير لون الشعر أو شد الوجه بأنها آليات لزيادة فرص البقاء أو التكاثر. بل إنها تعكس رغبة عميقة في تحقيق الذات، والبحث عن هوية، والتكيف مع معايير مجتمعية، وهي دوافع لا يمكن ردّها ببساطة إلى قوانين الانتقاء الطبيعي. هذا السلوك يثير تساؤلات حول ما إذا كان هناك أحداث تطورية غير معروفة في الماضي البشري أدت إلى هذا الانحراف، أو ما إذا كانت البيولوجيا التطورية وحدها غير كافية لتفسير السلوك البشري المعقد.
إن مبالغة الإنسان في تغيير مظهره ليست مجرد سلوك سطحي، بل هي ظاهرة عميقة تدعو إلى إعادة النظر في كيفية فهمنا للتطور البشري. إنها تفرض على البيولوجيا التطورية الإقرار بأن بعض السلوكيات البشرية قد تجاوزت جذورها الحيوانية، لتتخذ أبعادًا لم تكن متوقعة. قد لا يكون كل ما هو إنساني قابلًا للتفسير بآليات التطور وحدها، وهذا يفتح الباب أمام علوم أخرى مثل علم الاجتماع وعلم النفس للمساعدة في فك هذا اللغز. فهل يمكننا أن نفسر دوافعنا العميقة دون الأخذ في الاعتبار هذا الانحراف الجذري عن أصولنا الحيوانية؟
