
ينصرف التأثيل التقليدي (الأوروبي-الآري) إلى ردّ الكلمات الأوروبية إلى أصول جرمانية أو هندو-أوروبية، متوقفًا عند تلك الطبقة بوصفها النقطة الأولى في رحلة الكلمة. غير أنّ هذا التوقف لا يعكس بالضرورة الحقيقة التاريخية الكاملة، إذ يمكن للتنقيب اللساني الأعمق أن يكشف عن طبقات أسبق، وخصوصًا الطبقة العربية القديمة التي طالما جرى إغفالها في مدارس التأثيل الأوروبية، على الرغم من حضورها الكثيف في البنى الجذرية والمعجمية للغات الهندو-أوروبية.
وحدة الكلمات الثلاث: Bach, Beck, Brooke
الكلمة الألمانية Bach، والإنجليزية Beck، تعكسان في الواقع صوتًا واحدًا ينتمي إلى حقل دلالي واحد: مجرى الماء أو الجدول.
أما Brook فهي – في التحليل الفونولوجي – ليست سوى صورة مشدّدة من Beck أُضيف إليها الحرف R لغايات الإطالة الصوتية (طول الفونيم وإعطائه نبرة أكثر ثقلًا).
وعليه فإن هذه الكلمات الثلاث ليست متفرّقة الأصل، بل هي وجوه متفرّعة من كلمة واحدة هاجرت عبر الجغرافيا وتحوّرت بفعل قوانين النطق المحلي.
الجذر العربي الأولي: “بئر” ← “بير” ← “بيغ”
الأصل الأسبق لهذه الكلمات هو الكلمة العربية بئر، التي تعني المصدر العميق للماء.
هذه الكلمة ما زالت حية في اللهجات العربية بصيغة “بير”.
وفي لهجات عربية مندرسة أو شبه منقرضة نجد أثرًا لصيغة “بيغ”، التي تكشف عن تحوّل صوتي في الحرف الأخير (من همزة/راء إلى غين).
التحوّل من غ العربية إلى Q (الكاف المشددة / القاف الصلبة) شائع في الهجرات الصوتية؛ ومن هنا يمكن فهم صيغة beq التي تُعدّ نقطة وسطى بين الأصل العربي والصيغ الجرمانية.
من Beq إلى Beck/Bach/Brooke
كلمة beq سرعان ما وجدت سبيلها في اللهجات الجرمانية الشمالية والوسطى، فخرجت بصيغ Beck وBach، وكلتاهما تحافظان على معنى “مجرى الماء”.
أما Brook فتمثّل حلقة متأخرة ضمن التشعّب نفسه، حيث أضيفت R (وهي ظاهرة مألوفة في الإنجليزية القديمة) من أجل مدّ الصوت.
وبهذا تتكشّف أمامنا سلسلة تطوّر واضحة: بئر → بير → بيغ → Beq → Beck/Bach → Brooke.
إنّ هذا التحليل يبيّن أنّ حصر التأثيل في الإطار الهندو-أوروبي يظلّ قاصرًا عن استيعاب المسار العميق للكلمة.
الطبقة العربية لا تمثّل مجرّد احتمال، بل تكشف عن رابطة لسانية ممتدة بين الجزيرة العربية وأوروبا، رافقتها تحولات تاريخية وهجرات بشرية وثقافية تركت بصمتها في المعجم الأوروبي.
وعليه، فالدعوة اليوم موجّهة إلى إعادة النظر في مقاربات التأثيل الآري، والانفتاح على مقاربة جديدة ترى في العربية القديمة خزانًا جذريًا لأصول كثيرة من المفردات الأوروبية.
رحلة الكلمات الثلاث (Bach, Beck, Brooke) تبيّن لنا كيف يمكن لمصطلح عربي بسيط مثل “بئر” أن يتشعّب عبر الألسن والجغرافيات ليغدو حاضرًا في الألمانية والإنجليزية. وهذا لا يقدّم فقط نموذجًا لغويًا، بل يفتح أفقًا بحثيًا واسعًا حول الذاكرة المشتركة بين العربية وأوروبا، ويدعو إلى تأسيس مدرسة لسانية جديدة تتجاوز حدود ما وقفت عنده مدارس التأثيل الأوروبية.
