أزمة العلم المعاصر… هل حان وقت التحرر من الأوثان الميتافيزيقية؟

لطالما كان العلم في صراع مستمر مع الميتافيزيقا، هذه العلاقة الجدلية التي بدأت بكون الميتافيزيقا هي الملاذ الأول للإنسان لتفسير ظواهر الكون، ثم أصبحت عبئًا يسعى العلم للتخلص منه. فمع بداية رحلة العلم من عالم الأساطير إلى الواقع، سعى جاهداً للتخلص من القيود الميتافيزيقية التي فرضتها عليه ظروف نشأته في كنف التفسيرات البدائية. لكن، رغم كل هذه الجهود، لا يزال شبح الميتافيزيقا يلاحق خطواته، وكلما اجتهد في سبيل التحرر الحقيقي، وجد نفسه مقيدًا بأوهام قديمة.
إن تاريخ العلم هو خير شاهد على هذا الصراع. لقد تمكن العلم من التخلص تدريجيًا من الكثير من الأوهام الميتافيزيقية والافتراضات غير المنطقية، ليصبح مؤهلاً لاستكشاف آفاق جديدة. هذه الرحلة الطويلة من التطهير كانت تهدف إلى التحرر الكامل، ليصبح العلم أكثر تقبلاً لأي ظاهرة، حتى لو كانت تتعارض مع نظرياته القائمة. ولكن، للأسف الشديد، لا يزال الكثير من العلماء يتمسكون بهذه الأوثان الميتافيزيقية، لأنهم يعتقدون أن انهيارها سيعني انهيار العلم نفسه كمنظومة ومنهج وتصور كلي للوجود.
هذا التمسك المفرط أدى إلى مأزق حقيقي. فالعلم المعاصر، بدلًا من أن يكون منفتحًا ومتسامحًا، أصبح أسيرًا لنظرياته. لقد أصبح يحكم باستحالة حدوث أي شيء يتعارض مع ما توصل إليه، حتى قبل أن يكلف نفسه عناء دراسته بمنهجه وأدواته. وهذا ما يظهر بوضوح في التعامل مع ما يُسمى بـ “الظواهر الخارقة”. فمن المعيب حقًا أن يرفض العلم في عصرنا هذا التعامل بجدية مع هذه الظواهر، بحجة أن الاعتراف بها سيقوّض أركان البناء المعرفي المعاصر.
إن هذا الموقف المتصلب لا يخدم تقدم المعرفة. فالعلم لم يُصغَ إلا وفقًا للوقائع والظواهر التي أحيط بها، وليس من الصواب أن يحكم سلفًا على ما لم يستطع الإحاطة به بعد. إن عالمًا جديدًا، بل علمًا جديدًا، ينتظر الإنسانية إذا ما أعاد العلم الاعتبار لهذا الطيف الواسع من ظواهر الوجود التي طالما سارع إلى الحكم بانتفاء وجودها.
إن التحرر الحقيقي للعلم من أوثانه الميتافيزيقية هو الشرط الأساسي لتقدمه. وعندما يتمكن من ذلك، سيكون قادرًا على التعامل بإنصاف مع كل الظواهر، وربما يكشف لنا عن حقائق لم نكن لنتخيلها. عندها فقط، سيصبح العلم الأداة الحقيقية لفهم الوجود بكل تعقيداته وتعدداته، بدلاً من أن يكون مجرد أداة لتأكيد ما هو مألوف.

أضف تعليق