
تتناول هذه المقالة العلاقة المعقدة بين العلم والميتافيزيقا، منطلقة من الإشكالية المركزية: هل يمكن للعلم أن يتحرر تحرراً كاملاً من محدداته الميتافيزيقية؟ ورغم أن مسيرة العلم منذ نشأته قد ارتبطت بمحاولات دؤوبة للتخلص من الإرث الأسطوري والتفسيرات الأنثروبومورفية، إلا أن تاريخه يكشف عن استمرار حضور الميتافيزيقا في صياغة فروضه ونظرياته. تقارن الدراسة بين الموقف الذي يرى الميتافيزيقا عبئاً يعوق المعرفة، والموقف الذي يعتبرها شرطاً بنيوياً في التفكير العلمي، وذلك عبر الاستشهاد بنماذج من تاريخ العلم (نظرية الانجراف القاري، ميكانيكا الكم) وبأطر فلسفية (بوبر، كون، لاكاتوش، فييرابند). وتخلص المقالة إلى أن العلم لا يستطيع القضاء على الميتافيزيقا بل يمكنه ترويضها وتحديثها، بما يسمح له باستيعاب الظواهر “الاستثنائية” التي يميل عادة إلى استبعادها.
منذ أن بدأ الإنسان رحلته في تفسير الوجود، شكّلت الميتافيزيقا الإطار الأولي الذي انطلقت منه تساؤلاته عن الطبيعة والكون. ومع نشوء المنهج التجريبي، بدا وكأن العلم ينفصل تدريجياً عن هذا الإرث الماورائي. غير أن التساؤل يظل قائماً: هل يستطيع العلم أن يتحرر حقاً من الميتافيزيقا، أم أن الأخيرة تظل كامنة في بنية تفكيره حتى حين يعلن رفضها؟ هذه الإشكالية ليست مجرد سؤال تاريخي، بل ترتبط بمدى قدرة العلم على الانفتاح على الظواهر التي يصنّفها عادة باعتبارها “مستحيلة” أو “خارقة”.
الميتافيزيقا في بنية العلم
الجذور المشتركة:
نشأ العلم في رحم الميتافيزيقا والميثولوجيا، إذ استندت أولى محاولات الإنسان إلى تفسير الظواهر على فرضيات أنثروبومورفية ودينية.
حتى مع الثورة العلمية الحديثة، بقيت مفاهيم مثل “الجوهر” و”السببية” ذات جذور ميتافيزيقية.
محاولات التطهير:
سعى ديكارت وغاليليو ونيوتن إلى تأسيس علم منفصل عن الأساطير، قائم على قوانين تجريبية ورياضية.
غير أن تلك القوانين نفسها انطوت على فرضيات لا يمكن البرهنة عليها تجريبياً (مثل وجود “قوى” غير مرئية تعمل عن بعد).
جدل الفلاسفة حول الميتافيزيقا العلمية
بوبر (Popper): رأى أن العلم يتقدّم عبر قابلية الفرضيات للتكذيب، وهو بذلك يحاول تحييد الميتافيزيقا، لكنه لا يتخلّص منها كلياً.
كون (Kuhn): أبرز أن العلم يتطور عبر “تحولات النماذج” (Paradigm Shifts)، حيث تُستبدل أنساق معرفية بأخرى، وكلها مشبعة بفرضيات ميتافيزيقية.
لاكاتوش (Lakatos): قدّم مفهوم “برامج البحث العلمية”، حيث تعمل الفرضيات الميتافيزيقية كـ”نواة صلبة” تحمي النظرية.
فييرابند (Feyerabend): ذهب أبعد من ذلك، مؤكداً أن أي محاولة لإقصاء الميتافيزيقا هي قيد على الإبداع العلمي، داعياً إلى “فوضوية منهجية”.
أمثلة تاريخية
الانجراف القاري (Wegener 1912): رفض العلماء الفكرة بداية لأنها تعارضت مع التصور السائد للقارات الثابتة، رغم وجود أدلة مادية. لم تُقبل النظرية إلا بعد عقود حين تغيّر الإطار الميتافيزيقي.
ميكانيكا الكم: واجهت رفضاً شديداً في بداياتها، لأن تصوراتها عن الاحتمال والتراكب بدت “غير عقلانية” مقارنة بالنموذج الكلاسيكي. لكن مع تراكم الأدلة التجريبية، تم تعديل البنية الميتافيزيقية للعلم نفسه.
لا يمكن إنكار أن العلم بحاجة إلى أطر نظرية توجهه، لكن خطورته تكمن في تحويل هذه الأطر إلى “أوثان” تقصي الظواهر الخارقة أو غير المفسّرة مسبقاً.
المطلوب ليس القضاء على الميتافيزيقا بل ترويضها: أي جعلها مرنة وقابلة للتعديل مع ظهور معطيات جديدة.
بذلك يصبح من الممكن إدخال ما يُسمّى بالظواهر الاستثنائية أو “الباراسيكولوجية” ضمن مجال البحث بدلاً من إقصائها.
يبين تاريخ العلم أن التحرر الكامل من الميتافيزيقا وهمٌ، لكن الانغلاق داخل أوثانها خطرٌ أكبر. فالعلم يتقدم حين يوازن بين حاجته إلى أطر ميتافيزيقية وبين قدرته على مراجعتها ونقدها. ومن ثمّ، فإن الطريق إلى “علم جديد” يمر عبر الاعتراف بأن ما كان يُصنَّف مستحيلاً قد يصبح، في ظل إطار معرفي جديد، حقيقة واقعية.
