
تتناول هذه المقالة إشكالية معرفية تنطلق من النص القرآني: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا…) (من 31 البقرة). ينصبّ التركيز على السؤال الميتافيزيقي: لماذا للملائكة أسماء؟، وهو سؤال يضع العقل الإنساني أمام حدوده. من خلال تحليل نصوص قرآنية ذات صلة، ومقارنتها بإسهامات فلسفة اللغة والأنثروبولوجيا الحديثة، تخلص الدراسة إلى أن وجود الأسماء في العالم الغيبي يكشف عن بعد رمزي في الخلق، لكنه في الوقت نفسه يرسّخ وعي الإنسان بمحدودية قدرته المعرفية.
منذ بدايات الفكر الديني والفلسفي، ظلّت اللغة والأسماء من أعقد الأسئلة التي واجهت العقل الإنساني. وفي القرآن العظيم، تحتل مسألة تعليم آدم الأسماء موقعاً محورياً في قصة الخلق الأولى. ومع أن المفسرين اختلفوا في تحديد ماهية تلك الأسماء، فإن السؤال عن أسماء الملائكة يظلّ من أكثر الأسئلة حساسية، لأنه يضع الإنسان أمام أسرار غيبية لا سبيل إلى إدراكها بالعقل وحده.
التفسير القرآني التقليدي: ذهب معظم المفسرين (الطبري، القرطبي، ابن كثير) إلى أن الأسماء تشمل جميع الموجودات. بينما رأى آخرون أنها تقتصر على أسماء الملائكة أو على أسماء محدودة ارتبطت بالوظائف الكونية.
فلسفة اللغة: يرى فتغنشتاين أن “حدود لغتي تعني حدود عالمي”، وهو ما يعكس أن التسمية تفتح أفقاً للمعرفة. أما هايدغر فيؤكد أن “اللغة بيت الوجود”، وأن الأسماء ليست مجرد أدوات بل هي انكشاف للكينونة.
الأنثروبولوجيا: ليفي-شتراوس يربط التسمية بالتمييز الاجتماعي والرمزي، معتبراً أن الإنسان يختلف عن الحيوان بقدرته على تحويل الكائنات إلى كيانات ذات أسماء، أي إلى حقائق رمزية.
النص المؤسس (البقرة 31–33): الآيات تكشف مفارقة: آدم يعرف الأسماء، بينما الملائكة يعترفون بحدود معرفتهم.
التعليق الإلهي (الإسراء 85): (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) يضع إطاراً صارماً لحدود الإدراك البشري.
البعد الغيبي: وجود أسماء للملائكة يثبت أن لهم هوية ميتافيزيقية ضمن النسق الكوني، لكن هذه الهوية محجوبة عن الإنسان.
الأسماء كأفق للكينونة: إذا كان للملائكة أسماء، فهذا يعني أن وجودهم ليس مجرد “وظيفة”، بل كيان مستقل في نظام الخلق.
الحدود المعرفية للعقل البشري: السؤال عن ماهية أسماء الملائكة أو سبب وجودها يكشف عن أسئلة لم يُخلق العقل البشري للإجابة عنها. هذه الفكرة تجد صداها في فلسفات الشك والمعرفة من ديكارت إلى كانط، حيث يتم التأكيد على حدود العقل.
البعد السيميائي: الاسم في حد ذاته هو علامة. وحين يعجز العقل عن معرفة دلالة العلامة، فإن ذلك يذكّره بأن اللغة ليست دائماً أداة كاشفة بل قد تكون أداة حاجبة.
الإنسان ككائن مُسمٍّ: امتلاك القدرة على التسمية فارق أساسي بين الإنسان والحيوان.
الملائكة كمرآة للحدود: الملائكة، رغم علوّهم، لم يملكوا علم الأسماء إلا بتعليم الله، مما يجعلهم شهوداً على حدود المعرفة البشرية والإلهية في آن.
الدرس التربوي: الإشكالية ليست في “لماذا لهم أسماء”، بل في “لماذا سُئل الإنسان عنها”. أي أن الغاية من الأسماء تربوية معرفية: تذكير الإنسان بفرادة موقعه من جهة، وبحدوده من جهة أخرى.
يقدّم القرآن العظيم من خلال قصة الأسماء درساً مزدوجاً:
من جهة، يثبت أن اللغة والتسمية فعل تأسيسي للوجود الإنساني والملائكي على السواء.
من جهة أخرى، يضع العقل أمام أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها. وسؤال “لماذا للملائكة أسماء؟” مثالٌ دالّ على أن بعض المعارف ليست للنظر العقلي، بل للتسليم بأن الحكمة الإلهية فوق إدراك الإنسان.
وهكذا، فإن فلسفة الأسماء في القرآن لا تكشف فقط عن بعد لغوي، بل عن بنية أنثروبولوجية ومعرفية تعكس محدودية الإنسان وضرورة وعيه بعجزه.
