
تجلّت ازدواجية معايير الإنسان في أحكامه على شخصياته الوطنية وتاريخه القريب. ولعلّ المثال البارز على هذه الازدواجية هو الحكم على أحمد عرابي، قائد الثورة العرابية، بكونه شخصية “جدلية”، بل والذهاب إلى حد اعتبار ثورته ذاتها مسألة “جدلية”. هذه الصفة تكشف عن ميل واضح للتخفف من مسؤولية الاحتلال البريطاني، وإلقاء اللوم على شخصية وطنية حاولت مواجهة واقع سياسي فاسد وظلم اجتماعي مستشرٍ.
أطلق عرابي ثورته في مواجهة الخديوي توفيق، الذي استنصر بالخارج على أبناء وطنه. استصدر فرماناً من السلطان عبد الحميد بوصم عرابي بالعصيان، وهو ما أضعف التفاف المصريين حول قائدهم. كما لجأ الخديوي إلى طلب العون من بريطانيا، التي كانت قد أعدت عدتها سلفاً لغزو مصر، فقصفت أسطولها مدينة الإسكندرية عام 1882 في مشهد بدا وكأنه تتويج لمخططات استعمارية موضوعة سلفاً.
من المثير للسخرية أن شخصيات وطنية لا يشك أحد في وطنيتها، مثل مصطفى كامل وأحمد شوقي، قد رأت في الثورة العرابية سبباً مباشراً للاحتلال البريطاني. ورغم أنّ هذا الحكم يجد عذره في ضبابية المشهد السياسي حينها، إلا أن الوقائع التاريخية التي تكشفت لاحقاً برهنت أنّ بريطانيا كانت قد عقدت العزم على احتلال مصر لأسباب جيوسياسية واقتصادية، بغض النظر عن تحركات عرابي.
ومع ذلك، استمر بعض المؤرخين والساسة في إلصاق تهمة “الجدلية” بالثورة العرابية، أو وصفها بتقليل ساخر على أنها “هوجة عرابي”، متجاهلين الظروف المعقدة التي واجهها الرجل: خيانات من الداخل، تخاذل من السلطان، واستدعاء مباشر للقوة الأجنبية من رأس الدولة نفسه.
الحقيقة التي لا يجوز إغفالها أن قوة بريطانيا البحرية، بوصفها “سيدة البحار” آنذاك، كانت تفوق قدرة أي حركة محلية على المواجهة. لذلك فإن اختزال إخفاق الثورة في شخصية عرابي ظلم بيّن، يُظهر مرة أخرى نزعة العقل البشري إلى تصنيف بعض القضايا الخطيرة على أنها “جدلية” لمجرد الهروب من مواجهة الحقائق المرّة.
إن وصف أحمد عرابي بالجدلية ليس سوى إعادة إنتاج لازدواجية المعايير التي ميّزت العقل الجمعي في تعامله مع قضايا الاستعمار. فعرابي لم يكن سبب الاحتلال، بل كان ضحية توازنات دولية كبرى وخيانات داخلية متشابكة. والتاريخ إذ يُعاد قراءته اليوم، يضع الثورة العرابية في إطارها الصحيح: محاولة وطنية صادقة، وليست “هوجة” عابثة.
