ازدواجية العقل البشري في الحكم الأخلاقي… الاستعمار البلجيكي للكونغو نموذجاً

تكشف هذه المقالة عن خاصية فريدة في العقل البشري تتمثل في ازدواجيته في الحكم الأخلاقي: فهو يحكم بصرامة على بعض الأفعال باعتبارها صواباً أو خطأً، بينما يكتفي بإدراج أفعال أخرى، على الرغم من فظاعتها، ضمن خانة “القضايا الجدلية”. ومن خلال استعراض التجربة الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما جرائم الملك البلجيكي ليوبولد الثاني في الكونغو، تتضح هذه الآلية العقلية التي غالباً ما تخضع لإكراهات الإجماع الثقافي والسياسي أكثر من خضوعها للمنطق الأخلاقي المجرد.
العقل البشري ليس مجرد أداة للتفكير المنطقي، بل هو أيضاً كيان اجتماعي يتأثر بالضغوط الجماعية والسرديات السائدة. ولهذا نرى أنه حين يُواجَه بجرائم كبرى أو وقائع صادمة، قد يلجأ إلى تصنيفها باعتبارها “قضايا جدلية” بدل إصدار حكم قطعي عليها. هذه الازدواجية ليست مسألة شكلية، بل تكشف عن التوتر الدائم بين الأخلاق والمعايير الاجتماعية والسياسية.
الآلية العقلية: يميل العقل إلى تجنّب إطلاق أحكام قاطعة على أفعال تصطدم بالرأي العام أو تهدد الهوية الجمعية.
الوظيفة الاجتماعية: هذا الميل يتيح للأفراد والجماعات الحفاظ على الانسجام الداخلي، حتى وإن كان على حساب الحقيقة الأخلاقية.
التأطير الفلسفي: يمكن ربط هذه الظاهرة بما أشار إليه إيمانويل كانط حول “الوصايا الأخلاقية” التي لا تخضع للنسبية، وبما ناقشه ميشيل فوكو لاحقاً في إطار تحليل “خطابات السلطة” التي تعيد إنتاج المعايير الأخلاقية بما يخدم مصالحها.
التجربة الاستعمارية الأوروبية (القرنان التاسع عشر والعشرون) تمثل مثالاً نموذجياً على هذه الخاصية.
في الخطاب العام الأوروبي، لم يُنظر إلى الاستعمار باعتباره مشروعاً همجياً يقوم على السلب والقتل والاستعباد.
بل جرى تقديمه في الغالب باعتباره “رسالة حضارية” أو “مهمة تنويرية”، وهو ما أدى إلى تلطيف جرائمه وتصنيفها في خانة “الموضوعات الجدلية” التي لا يجوز الحسم فيها.
القتل الجماعي: تشير تقديرات المؤرخين إلى مقتل ما بين 8 إلى 10 ملايين من سكان الكونغو نتيجة السياسات الاستعمارية المباشرة أو غير المباشرة (Hochschild, 1998).
التعذيب الممنهج: من أبرز أساليبه قطع الأيدي كعقوبة للعمال الذين لا يحققون حصص المطاط المفروضة عليهم.
الاستعباد الاقتصادي: فرض نظام قسري لاستخراج المطاط والعاج، استند إلى العمل الإجباري والترهيب.
لم يكن العالم الغربي ليعرف عن هذه الفظائع لولا جهود صحفيين وناشطين من أبرزهم الصحفي الأمريكي إدموند دين موريل والقنصل البريطاني روجر كاسمنت، إضافة إلى أصوات نسائية مثل الصحفية إيدا تاربيل التي أسهمت في فضح الجرائم عبر الصحافة العالمية.
ورغم توثيق هذه الفضائع، ما يزال بعض الكتّاب حتى اليوم يبررون إرث ليوبولد الثاني، بزعم أن أفعاله يجب أن تُفهم ضمن سياق “القرن التاسع عشر”، أو أنها تظل “جدلية” وليست جرائم ضد الإنسانية بالمعنى الدقيق.
على مستوى الأخلاق: تكشف هذه الحالة عن هشاشة الالتزام الأخلاقي أمام المصالح السياسية والاقتصادية.
على مستوى الذاكرة الجماعية: يُظهر التاريخ الاستعماري كيف تُعاد كتابة الماضي بطريقة تجعل من الفظائع مواضيع نقاش بدلاً من وقائع إدانة.
على مستوى الفكر النقدي: ينسجم هذا مع مقولة جورج أورويل بأن “من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل”، حيث تصبح السيطرة على التوصيف الأخلاقي أداة للتحكم في الوعي الجمعي.
إن جرائم ليوبولد الثاني في الكونغو ليست مجرد صفحة سوداء في تاريخ الاستعمار الأوروبي، بل هي مرآة تكشف عن خاصية فريدة في العقل البشري: الميل إلى التناقض بين المبادئ والممارسة، بين القطع والجدلية. إن استمرار الدفاع عن هذه الجرائم أو التهوين من شأنها يفضح كيف أن الذاكرة الإنسانية ما تزال عرضة للتلاعب، وأن ما يبدو “قضية جدلية” في لحظة ما، قد يكون في جوهره فظاعة لا جدال فيها.

أضف تعليق