
يميل الإنسان، على خلاف الحيوان، إلى التعامل مع العالم وفق ثنائية مزدوجة: اليقين الحاسم في بعض المواقف، والتريث الجدلي في أخرى. هذه السمة ليست مجرد نزعة فردية بل خاصية جمعية متجذرة في بنية العقل والوعي. إنّها تكشف عن مفارقة أساسية: كيف يمكن للعقل ذاته أن يقبل بمعايير مزدوجة للحكم دون أن يشعر بالتناقض أو التهديد الأخلاقي؟
لماذا يحكم الإنسان على قضايا بأنها “جدلية” خشية الاصطدام بالإجماع، بينما يجزم في قضايا أخرى بقطعٍ لا يحتمل التأويل؟
كيف يمكن لهذه الخاصية أن تنسجم ـ أو تتعارض ـ مع المنطق التطوري الذي يربط السلوك بمنفعة البقاء؟ ألا توحي هذه الخاصية بوجود “شيء آخر” يتجاوز الميكانيزمات التطورية البحتة؟
وفقًا لـ أرنولد غيلين (Arnold Gehlen)، الإنسان هو “الكائن الناقص” الذي عوّض ضعفه البيولوجي بقدرات رمزية وثقافية. هذا “النقص” جعله مضطرًا لخلق مؤسسات ومعايير تحفظ توازنه الاجتماعي. هنا يظهر تصنيف بعض القضايا كـ”جدلية” كآلية دفاع رمزية، تحمي الفرد من الاصطدام بالجماعة أو النخبة الفكرية.
يرى علماء النفس التطوري (Cosmides & Tooby) أن العقل البشري مبرمج لحل مشكلات البقاء والتكاثر. لكن الميل إلى تصنيف قضايا معينة كجدلية لا ينسجم مع هذا المنطق؛ إذ لا يقدّم ميزة بقاء مباشرة، بل قد يعطّل الحسم المطلوب. هذا يفتح بابًا للتساؤل: هل يمكن أن تكون هذه السمة ناتجة عن تحولات ثقافية-رمزية لا تختزل في “الانتقاء الطبيعي”؟
يذهب كانط إلى أن العقل العملي يطالب باليقين الأخلاقي، بينما الواقع الاجتماعي يفرض تريثًا وحذرًا. هذا التباين يعكس التوتر بين الأخلاق الفردية والإجماع الاجتماعي. أما عند هابرماس، فالتواصل التداولي يقتضي الاعتراف بأن بعض القضايا ستظل “موضع جدل”، حفاظًا على إمكان استمرار الحوار.
من الأمثلة التطبيقية على ذلك:
1. الواقع المعاصر
التغير المناخي: رغم تراكم الأدلة العلمية، ما زال يُطرح كقضية جدلية في بعض الأوساط، بسبب تضارب المصالح الاقتصادية والسياسية.
2. التاريخ
جدل مركزية الأرض: الكنيسة في العصور الوسطى صنّفت المسألة كجدلية، ليس لغياب الأدلة، بل لارتباط الحكم بالمنظومة اللاهوتية السائدة.
محاكم التفتيش: مثال على التناقض، حيث سُمح بالجدل في بعض الفلسفات الثانوية، لكن مسائل أخرى حُسمت قسرًا بالموت أو الإقصاء.
إنّ استعداد الإنسان للقبول بالتناقض بين الحسم في قضايا والتردد في أخرى يكشف عن طبقة رمزية لا تُختزل في التطور البيولوجي. فالحيوان إمّا يتخذ قرارًا آنياً للبقاء أو يُفنى، بينما الإنسان قادر على تعليق الحكم، بل وتنظيم هذا التعليق داخل مؤسسات (محاكم، برلمانات، مجامع فكرية).
هذا التعليق ليس “لا قرار” بل هو قرار بالتأجيل، يعكس إدراكًا لخطورة الاصطدام بالمنظومة الجماعية. وهو ما يشير إلى أن العقل البشري قد دخل مرحلة ما وراء-بيولوجية، حيث صارت القيم والمعايير الجماعية قوة فاعلة توازي بل وتتجاوز آليات البقاء.
الداروينية الكلاسيكية تفترض أن القرارات الحاسمة هي الأكثر نفعًا للبقاء، أما ما بعد الداروينية (مثل نظرية الثقافة الجينية المشتركة)، فهي تعترف بأهمية الثقافة، لكنها ما تزال تربطها بالمنفعة.
لكن سلوك “تصنيف القضايا كجدلية” لا يقدم منفعة بقاء واضحة، بل قد يعرّض الجماعة للخطر (تأجيل مواجهة أزمات بيئية أو سياسية مثلاً). وهذا يعزز فرضية وجود قفزة نوعية في مسيرة الإنسان جعلته يتعامل مع قضاياه عبر معايير رمزية تتجاوز البقاء البيولوجي.
المفاضلة العقلية بين الحاسم والجدلي تمثل خاصية بشرية أصيلة لا نجد نظيرًا لها في عالم الحيوان. إنها تكشف عن انتقال الإنسان من حيز “الوظائف البيولوجية” إلى حيز “الرموز والمعايير”، بما يجعل تفسيرها عصيًا على الحصر ضمن آليات التطور وحدها. إنّها، بعبارة أخرى، شاهد حي على أن شيئًا آخر قد حدث في مسيرة الإنسان، شيء لا يمكن تجاهله إذا أردنا فهم تمايزه عن الحيوان: هو ميله إلى تعليق الأحكام، وقبول الجدلية كجزء من نسيج وعيه الجمعي.
