
يُعَدّ الحكم على الشخصيات الوطنية من أكثر الميادين التي يكشف فيها العقل البشري عن ازدواجيته في المعايير. إذ نرى في حالات كثيرة أنّ أفعالاً بطولية أو محاولات إصلاحية تُختزل إلى “قضايا جدلية”؛ ليس لأنها تفتقر إلى وضوح في طبيعتها، وإنما لأنّ مواجهة نتائجها تفرض على المجتمع أو النخبة الاعتراف بمسؤوليات أوسع وأعمق. المثال النموذجي لهذا التناقض يتجلى في التعامل مع أحمد عرابي وثورته عام 1881–1882، حيث وُصف الرجل بأنه شخصية “جدلية”، ووصفت ثورته بأنها سبب مباشر للاحتلال البريطاني لمصر. هذه الأحكام، التي صدرت حتى عن رموز وطنية كبيرة مثل مصطفى كامل وأحمد شوقي، تكشف جانباً عميقاً من الازدواجية الفكرية والسياسية في مقاربة التاريخ المصري الحديث.
اندلعت الثورة العرابية في ظل أوضاع سياسية واجتماعية متأزمة. فقد تزايد النفوذ الأجنبي في مصر منذ عهد إسماعيل باشا بسبب الديون الثقيلة، وتغلغلت الامتيازات الأجنبية في شتى المرافق، مما قيد السيادة الوطنية. ومع تولي الخديوي توفيق الحكم، بدا جلياً انحيازه إلى المصالح الأوروبية والطبقة الأرستقراطية على حساب الجيش والفلاحين. في هذا السياق، أعلن أحمد عرابي وثُلّة من الضباط ثورتهم، مطالبين بالعدل الدستوري، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإصلاح الجيش.
غير أنّ الخديوي توفيق لم يواجه الثورة بإصلاح أو حوار، بل استعان بالباب العالي ليستصدر فرماناً من السلطان عبد الحميد الثاني يعتبر عرابي عاصياً. وكان هذا الموقف الشرعي والسياسي بمثابة ضربة قوية للثوار، إذ أدى إلى انفضاض السواد الأعظم من المصريين عن قائدهم. وإزاء تصاعد التوتر، طلب توفيق التدخل العسكري البريطاني، بينما كانت الأساطيل البريطانية قد أحاطت بميناء الإسكندرية استعداداً للتدخل.
يُلاحظ أن عدداً من المثقفين والسياسيين المصريين في العقود اللاحقة حملوا عرابي مسؤولية دخول الاحتلال البريطاني عام 1882. فمصطفى كامل، على سبيل المثال، رأى أنّ الثورة العرابية فتحت الباب أمام التدخل البريطاني، فيما وصفها أحمد شوقي في أشعاره بأنها سبب مباشر للاحتلال. ورغم ما لهذه الأحكام من وزن رمزي، فإنها تعكس فهماً ناقصاً للمشهد الاستراتيجي الدولي.
لقد أثبتت الوثائق البريطانية اللاحقة أنّ لندن كانت قد عقدت العزم على السيطرة على مصر لضمان طريقها إلى الهند عبر قناة السويس، ولحماية استثماراتها المالية الضخمة. أي أنّ قرار الاحتلال كان سيُنفذ حتى لو لم يقم عرابي بثورته. وهنا تتجلى الازدواجية: فبدلاً من أن يُحمّل الاحتلال مسؤوليته الكاملة عن عدوانه، جرى اختزال الحدث إلى “خطأ وطني” أفضى إلى الكارثة، ووُصم صاحبه بكونه “شخصية جدلية”.
إن فشل الثورة العرابية لا يعود إلى قصور في مشروعها الإصلاحي بقدر ما يرجع إلى تداخل عوامل داخلية وخارجية.
العوامل الداخلية: ضعف البنية المؤسسية للدولة، خيانات بعض النخب السياسية، انقسام صفوف الجيش، وتراجع التأييد الشعبي بعد فرمان العصيان.
العوامل الخارجية: تفوق القوة البحرية البريطانية، وتواطؤ الخديوي توفيق مع الأجنبي، والإرادة الاستعمارية المسبقة للسيطرة على مصر.
ومع ذلك، استمر توصيف الثورة في الأدبيات التاريخية على أنها “هوجة عرابي”، وهو وصف ينطوي على قدر من التبخيس المتعمد لدور الحركة الوطنية في مواجهة الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي معاً.
تكشف هذه الازدواجية في الحكم على أحمد عرابي عن ميول بشرية مألوفة في التعامل مع أحداث مفصلية: الميل إلى تحويل القضية إلى “جدلية” تهرباً من مواجهة الحقائق. فالتاريخ الرسمي كثيراً ما يتجنب الاعتراف بأنّ الاحتلال البريطاني لم يكن نتيجة مباشرة لخطوة عرابي، بل ثمرة استراتيجية استعمارية أشمل. بذلك يصبح وصف عرابي بالجدلية أداة لإزاحة اللوم عن القوى العظمى، وتوجيهه إلى الداخل الوطني.
كما يوضح المثال أنّ الذاكرة الجماعية، تحت ضغط الهزيمة، تميل إلى إنتاج سرديات مريحة نفسياً، لكنها مشوهة معرفياً، من قبيل تحميل الفرد “المُغامر” مسؤولية إخفاق جماعي أو دولي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة الثورة العرابية باعتبارها تعبيراً مبكراً عن الوعي الوطني المصري، وليس مجرد “هوجة” عابرة.
إنّ إعادة تقييم الثورة العرابية اليوم لا تعني التغاضي عن إخفاقاتها العسكرية أو السياسية، وإنما تعني وضعها في سياقها الصحيح: محاولة وطنية جادة لمواجهة الاستبداد الداخلي والتدخل الأجنبي، لا مغامرة جدلية قادت إلى الكارثة. فالاحتلال البريطاني كان نتيجة طبيعية لتوسع إمبراطورية تبحث عن الهيمنة، لا ثمرة مباشرة لقرارات أحمد عرابي. وبذلك يصبح وصف الثورة بالجدلية انعكاساً لازدواجية المعايير في قراءة التاريخ، أكثر من كونه حكماً موضوعياً على وقائع الماضي.
