
الأمل، من حيث هو توقّع لمستقبل أفضل، شكّل دائماً جزءاً من التجربة الإنسانية. منذ الأساطير القديمة وحتى الأدبيات الحديثة في علم النفس، يُحتفى بالأمل بوصفه جوهر الصمود أمام المحن. غير أن هذه الهالة قد حجبت جانباً مظلماً من الظاهرة: ميل الإنسان إلى الركون إلى الأمل بديلاً عن العمل. هنا يصبح الأمل مخدّراً، يثبّت الإنسان في مكانه ويمنعه من التقدم.
تشير دراسات علم النفس التطوري (Buss, 2019; Nesse, 1990) إلى أن الأمل يندرج ضمن ما يُسمى “الاستراتيجيات التكيفية” التي منحت الإنسان قدرة على الاستمرار رغم التحديات البيئية. إفراز الدماغ لمادة الدوبامين عند التفكير بأملٍ مستقبلي يعمل كآلية تشجيع ذاتي، تمنح صاحبه دفعة للاستمرار.
لكن آليات البقاء ذاتها تحمل جانباً خطراً. إذ يُظهر علم الأعصاب أن النشاط الدماغي عند الأمل يشابه النشاط عند تحقيق الهدف نفسه (Sharot, 2011). هذا يعني أن الأمل قد يمنح شعوراً زائفاً بالإنجاز، فيجعل صاحبه أقل ميلاً للفعل، وأكثر انغماساً في الوهم.
يذهب فلاسفة مثل إرنست بلوخ (Bloch, The Principle of Hope, 1959) إلى أن الأمل هو ما يجعل الإنسان يبدع ويتخيل. لكن عند تجاوزه حدّ الاعتدال، يتحول إلى ما يسميه علماء النفس “التفكير الرغبي” (wishful thinking)، حيث يعيش الفرد في عالم موازٍ يحقق فيه كل ما يعجز عنه في الواقع.
من زاوية سوسيولوجية، يرى ماركس أن الأديان -من خلال وعدها بالأمل الأخروي- كانت “أفيون الشعوب”. هنا الأمل لا يحفّز الفعل، بل يرسخ الاستكانة. وبالمثل، قد يتحول الأمل الدنيوي إلى أفيون فردي، يثبّت الإنسان في دائرة العجز.
الحيوان، على خلاف الإنسان، لا يملك وقتاً ولا طاقة للانشغال بالأمل. كل أفعاله محكومة بغريزة البقاء وبرنامج الطبيعة الصارم. لا مكان للوهم أو التعلّق بمستقبل غير محسوم. هذه المقارنة تكشف تفرد الإنسان بقدرة قد تكون نقمة بقدر ما هي نعمة: القدرة على بناء عوالم من الأمل.
القرآن الكريم يلفت النظر إلى هذا الوجه من الأمل في قوله تعالى:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3].
الآية تصوّر الأمل حين ينقلب إلى لهوٍ يشغل عن الجِدّ والعمل. بهذا يصبح الأمل آلية للهروب من مواجهة الواقع، لا وسيلة لتحويله.
المدخل الفلسفي-الأخلاقي يقتضي التمييز بين:
الأمل المنتج: وهو الذي يحفّز العمل ويقود إلى الإنجاز.
الأمل المخدّر: وهو الذي يُبقي صاحبه في عالم الوهم.
الفضيلة إذاً ليست في الأمل ذاته، بل في قدرته على أن يكون جسراً نحو العمل لا بديلاً عنه.
الأمل سلاح ذو حدين. يمكن أن يكون محرّكاً للحياة أو سبباً للشلل. تكمن الحكمة في إدراك خط التوازن بين الأمل والعمل؛ أن نستثمر الأول دافعاً للثاني، لا أن نغرق في وهمٍ يُلهينا عن مواجهة الواقع. وهذا ما يجعل الإنسان مدعواً إلى أن يتجاوز إدمان الأمل، ويحوّله إلى طاقة عملية خلاقة.
Buss, D. M. (2019). Evolutionary Psychology: The New Science of the Mind. Routledge.
Nesse, R. M. (1990). Evolutionary explanations of emotions. Human Nature.
Sharot, T. (2011). The Optimism Bias: A Tour of the Irrationally Positive Brain. Pantheon.
Bloch, E. (1959). The Principle of Hope. MIT Press (English translation).
Marx, K. (1844). Critique of Hegel’s Philosophy of Right.
