الدين يسمو فوق بشرية الإنسان… دراسة قرآنية-فلسفية-أنثروبولوجية

يمثل الإنسان مفارقة وجودية: كائن ضعيف “وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا” (النساء: 28)، وفي الوقت ذاته حامل لأمانة تعجز عن حملها السماوات والأرض والجبال (الأحزاب: 72). وقد كشفت النصوص القرآنية عن تناقضات سلوكه وصفاته، فبيّنت أن الإنسان مخلوق هلوع، جزوع، جدلي، كفور، طاغٍ، مغترّ، وهي صفات تشهد بها صفحات التاريخ والواقع المعاصر.
السؤال المركزي الذي تطرحه هذه المقالة: كيف يقدم الدين حلاً لمعضلة الضعف البشري، بحيث يتحول من كائن أسير نزواته إلى كائن يسمو فوق بشريته؟
يكشف القرآن الكريم صورة بانورامية عن الإنسان، نوجزها فيما يلي:
الضعف البنيوي: “وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا” (النساء: 28).
الطغيان بالاستغناء: “كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى” (العلق: 6-7).
الكفران والجحود: “إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ” (الحج: 66).
الجدل العقيم: “وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا” (الكهف: 54).
الاغترار بالذات: “يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ” (الانفطار: 6).
هذا التشخيص لا يُقدَّم على سبيل الإدانة النهائية، وإنما باعتباره توصيفاً لحدود الطبيعة البشرية، التي تحتاج إلى خطابٍ موجه يرفعها عن مستواها الغريزي.
تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية أن الإنسان يتميز عن الحيوان بقدرته على تجاوز الغريزة عبر الثقافة والرمز والدين (Geertz, 1973؛ Mauss, 1938). الحيوان لا يعرف الجدل أو الطغيان الناتج عن الاستغناء؛ فهو محكوم بغرائزه الثابتة. أما الإنسان، فبسبب وعيه وحرّيته، يمكن أن ينقلب من أقصى درجات الوداعة إلى أشد أشكال العنف.
هنا يتضح أن ما يسميه القرآن “الطغيان” و”الجدل” لا يجد نظيراً في عالم الحيوان. وهذا يدفعنا إلى القول بأن الدين يأتي كآلية ثقافية وروحية لتأطير هذه الحرية ومنعها من الانفلات نحو الفوضى.
من منظور فلسفة الدين، يمكن أن نقرأ التشخيص القرآني كإقرار بكون الإنسان مشروعاً مفتوحاً لا جوهراً منجزاً. وهو ما يتقاطع مع أطروحات الفلسفة الوجودية، خصوصاً عند هايدغر وسارتر، اللذين اعتبرا أن الإنسان “كائن في نقص” يبحث عن المعنى.
عند هايدغر: الإنسان “مُلقى في العالم” وعليه أن يصنع معنى لوجوده.
عند سارتر: الحرية عبء لأنها تضع الإنسان أمام مسؤولية الاختيار.
في هذا السياق، يظهر الدين كأفق يمدّ الإنسان بمعنى يتجاوز حدود الوجود الفردي. فبدلاً من أن يظل في “خسر” (العصر: 2)، يقدَّم له طريق الإيمان والعمل الصالح كخيار يتجاوز الخسارة نحو السمو.
يقدّم الدين ثلاث آليات رئيسة:
تهذيب الغرائز: بالصوم والصلاة والزكاة، حيث تتحول نوازع الضعف إلى طاقات إيجابية.
تأسيس الوعي الأخلاقي: الدين لا يكتفي بالمنفعة، بل يزرع مبدأ الواجب (كما في فلسفة كانط)، مضافاً إليه البعد الروحي الذي يربط الفعل بالآخرة.
توسيع الأفق الوجودي: بالإيمان بالغيب والبعث، يتحرر الإنسان من أسر اللحظة الآنية، ويجد في الأبدية معنى لحياته المؤقتة.
تخلُص هذه المقالة إلى أن الدين يمثل استجابة نوعية للشرط الإنساني المأزوم بالضعف والتناقض. فهو لا يُنكر الطبيعة البشرية، لكنه يضعها في سياق مشروع ارتقائي يتجاوز المحدود إلى المطلق. ومن هنا يمكن القول إن الدين، في جوهره، ليس مؤسسة اجتماعية فحسب، ولا طقساً شعائرياً مجرداً، بل مشروع وجودي يجعل الإنسان يسمو فوق بشريته.

.Geertz, C. (1973). The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books.
.Mauss, M. (1938). A Category of the Human Mind: The Notion of Person. In Sociology and Psychology. London: Routledge.
.Sartre, J.-P. (1943). L’Être et le Néant. Paris: Gallimard.
.Heidegger, M. (1927). Sein und Zeit. Tübingen: Niemeyer.
.Smith, W.C. (1991). The Meaning and End of Religion. Minneapolis: Fortress Press.
.Eliade, M. (1957). The Sacred and the Profane. New York: Harcourt.

أضف تعليق