
يفنِّدُ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم الاعتقادَ السائدَ بـ “سوائيةِ” أهلِ الكتاب بقولِه: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (113- 115 آل عِمران).
ولقد امتدح اللهُ تعالى في سورةِ المائدة، وفي الآيتَين الكريمتَين 82- 83 منها، طائفةً من الرهبان بقولِه: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).
كما وبرَّأ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم رهباناً من أن يكونَ حالُهم معه كحالِ رهبانٍ آخرين آثروا عليه زخرفَ الحياةِ الدنيا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (من 34 التوبة).
ولقد جرَّمَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم طائفةً من أهلِ الكتاب بقولِه (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (من 31 التوبة). وهنا لابد من التشديدِ على حقيقةٍ مفادها أنَّ قَولَ اللهِ تعالى هذا لا ينبغي أن يُفهَمَ على أنَّه يُدين، بأيِّ حالٍ من الأحوال، هؤلاء الأحبارَ والرهبان الذين اتَّخذَهم الجاهلون أرباباً من دونِ الله.
أما كلمةُ “الرهبانية”، فلقد وردت في القرآنِ العظيم مرةً واحدة، وذلك في سياقِ حديثِ اللهِ تعالى عما أحدثَه في دينِهم أولئك الذين لم يرعَوا أمانتَه وعُهدتَه حقَّ رعايتِها: (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (من 27 الحديد). فاللهُ تعالى جعل في قلوبِ الذين اتَّبعوا السيدَ المسيح رأفةً ورحمة، وكتب عليهم رهبانية. وهذه الرهبانيةُ التي كتبَها اللهُ تعالى على الذين اتَّبعوا السيدَ المسيح قد اختلف بشأنِها القوم؛ فمنهم مَن آمنَ بها كما كتبَها الله، ورعاها حقَّ رعايتِها، ومنهم مَن ابتدعَها ولم يرعَها حقَّ رعايتِها بأن أحدث فيها ما ليس فيها وأضاف إليها ما لم يأمر به اللهُ تعالى. فالقسيسون والرهبان الذين امتدحهم اللهُ تعالى في الآيتَين الكريمتَين 82- 83 المائدة أعلاه، هم الذين اتَّبعوا السيدَ المسيح ورعَوا الرهبانيةَ التي كتبَها اللهُ تعالى عليهم حقَّ رعايتِها. أما الآخرون من الذين جرَّمهم اللهُ تعالى في الآيةِ الكريمة 34 التوبة أعلاه، فهم الذين ابتدعوا الرهبانيةَ التي كتبَها عليهم الله ولم يرعوها حقَّ رعايتِها.
