
تُعد سورة يوسف نموذجًا فريدًا للتفاعل بين الإرادة الإنسانية والتدبير الإلهي. في قلب هذا التفاعل ترد عبارة يعقوب: “عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا”، وهي عبارة تتجاوز مجرد التعبير عن أمنية أبٍ مكلوم، لتشكل مفتاحًا فلسفيًا لفهم العلاقة بين “الرجاء” البشري و”الوعد” الإلهي. فالرجاء عند البشر ينطوي على احتمال وافتقار، بينما حين يُنسب إلى الله يتحول إلى وعد حتمي قائم على علمه المطلق ولطفه النافذ.
في اللغة العربية، “عسى” أداة رجاء واحتمال. غير أن ورودها مسندة إلى الله يبدّل طبيعتها من رجاء إلى وعد متحقق.
الفلاسفة المسلمون (كالرازي والجرجاني) توقفوا عند هذه النقلة الدلالية، معتبرين أن استعمال “عسى” في القرآن حين يضاف إلى الله إنما هو أسلوب بلاغي يفتح أفق الثقة المطلقة.
فلسفيًا، يمكن القول إن “عسى” هنا تكشف عن الفرق الجوهري بين الرجاء الإنساني المشروط والرجاء الإلهي المضمون: الأول يترنح بين الخوف والأمل، والثاني يتجلى كيقين يتجاوز الاحتمال.
النص القرآني يصف ما حدث بين يوسف وإخوته بأنه: “مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي” (يوسف: 100).
اللافت أن يوسف لم يُسند النزغ إلى إخوته وحدهم، بل ألحق نفسه بالمعادلة (“بيني وبين إخوتي”). في ذلك تربية فلسفية عميقة، إذ ينزع يوسف النزاع من حيز “الفاعل البشري وحده” إلى حيز “المثير الشيطاني الذي يختبر وعي الإنسان”.
فلسفيًا، النزغ الشيطاني لا يلغِي الإرادة البشرية بل يُبرز ضعفها البنيوي، لتغدو أفعال البشر انعكاسًا لصراع داخلي بين قابلية النزغ وقابلية اللطف الإلهي.
يعقوب، وقد فقد ثلاثة من أبنائه (يوسف، وأخاه، والابن الأكبر الذي بقي في مصر)، لا يعبّر عن انكسار، بل يصوغ ألمه في لغة الرجاء: “عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا”.
هنا يتجلى المفارقة الفلسفية: أن الرجاء لا يُبطل الحزن (فهو يقول: “إنما أشكو بثي وحزني إلى الله”)، لكنه يعيد توجيه الحزن ليصبح طاقة انتظار واعٍ للمعنى.
بهذا المعنى، الرجاء ليس موقفًا انفعاليًا عابرًا، بل هو فعل تأويلي يحوّل الألم إلى أفق مفتوح على احتمالات اللطف الإلهي.
يوسف يعلن في خاتمة القصة: “إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ” (يوسف: 100).
اللطف هنا ليس مجرد إحسان عابر، بل هو تدخل تدريجي يعيد تركيب العلاقات التي نزغها الشيطان: الأب مع أبنائه، والإخوة مع يوسف، والإنسان مع ذاته.
فلسفيًا، “اللطف” يمثل القوة التي تتجاوز الثنائية الكلاسيكية “خير/شر”، “إخوة/عداوة”، لتعيد صياغة المعنى النهائي للأحداث في بنية كلية منسجمة.
من هنا يظهر أن عبارة يعقوب “عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا” كانت استشرافًا لهذا اللطف، أي قراءة مسبقة للتاريخ في ضوء الحكمة الإلهية.
في علم النفس: الرجاء ليس وهمًا بل آلية ذهنية لإعادة التوازن النفسي، تحفظ الإنسان من الانهيار أمام الفقد.
في الفلسفة الأخلاقية: عبارة يوسف “بيني وبين إخوتي” تمثل نموذجًا للتسامح الذي يعيد تأسيس الجماعة على قاعدة العفو لا على قاعدة الثأر.
في فلسفة الدين: الرجاء الإلهي يكشف عن بعد يتجاوز السببية الميكانيكية، ليربط بين الغيب والواقع عبر اللطف الذي يبدد نزغ الشيطان.
إن قوله تعالى: “عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا” ليس مجرد تعبير عن أمل يعقوب في استعادة أبنائه، بل هو نص فلسفي عميق يربط بين الرجاء واللطف والنزغ الشيطاني ضمن شبكة من العلاقات التي تكشف عن جوهر الوجود الإنساني: أنه وجود هش، لكنه يملك القدرة على تحويل ضعفه إلى معنى بفضل الثقة في وعد الله. وهكذا يصبح الرجاء، في القرآن، جسرًا بين الألم والمعنى، وبين النزغ واللطف، وبين التاريخ والقدر.
