
يُفاخر العقل العلمي بأنَّ مقاربته لظواهر الوجود مؤسسة على الالتزام الصارم بالمنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجريب والتحقق. غير أن هذا الادعاء يصطدم بواقعٍ يكشف عن ممارسات إقصائية وانتقائية لا تمتُّ بصلةٍ إلى حياد المنهج ولا إلى موضوعيته. ولعل أبرز مظهر لهذه الانتقائية هو استبعاد طيف واسع من الظواهر التي استعصى على أدوات العلم التقليدية تفسيرها، سواء ارتبطت هذه الظواهر بالسياق الديني (المعجزات، الكرامات) أو تجلت في قابليات بشرية غير مألوفة (كالظواهر الباراسيكولوجية). وهنا يثور السؤال: ما الذي يقتضيه الأمر حتى تكون مقاربة العقل العلمي لظواهر الوجود أهدى سبيلاً وأكثر شمولاً؟
من الضروري التمييز بين العلم والعلموية.
العلم هو أداة معرفية تجريبية تُعنى بوصف الظواهر وصياغة قوانين عامة لها ضمن حدود الإمكان التجريبي.
العلموية (scientism) هي موقف فلسفي يزعم أن العلم قادر وحده على تفسير جميع أبعاد الوجود، وأن ما يعجز العلم عن إخضاعه لمعادلاته وأدواته لا يستحق الالتفات.
هذا الخلط بين العلم والعلموية هو ما يغذي الممارسات الإقصائية، إذ يُستبعد ما لا يمكن إخضاعه للتجريب وكأن في الاستبعاد حُكماً بعدم الوجود.
العقل العلمي، في ممارساته التاريخية، أظهر نزعةً لإقصاء ما لا ينسجم مع معاييره. ومن أمثلة ذلك:
مقاومة النظريات الجديدة: رفض المجتمع العلمي نظرية ألفرد فغنر عن زحزحة القارات لعقود طويلة، قبل أن تصبح لاحقاً ركيزة أساسية في علم الجيولوجيا.
الظواهر النفسية الخارقة: الباراسيكولوجيا، رغم محاولاتها البحثية، أُقصيت من المؤسسة العلمية باعتبارها “غير علمية” لمجرد تعذر إخضاعها لتجارب معيارية قابلة للتكرار.
التجارب الدينية والروحية: كثير من الشهادات المرتبطة بالخبرات الصوفية أو بالمعجزات تعامل معها العقل العلمي كمادة غير جديرة بالبحث، رغم غناها الدلالي والأنثروبولوجي.
هذه الأمثلة تكشف أن المشكلة ليست في حدود الأدوات العلمية بقدر ما هي في النزعة المسبقة لإقصاء كل ما لا ينسجم مع نموذج التفسير القائم.
لكي تكون مقاربة العقل العلمي أهدى سبيلاً، ثمة شروط أساسية:
الاعتراف بالحدود: أن يُقرّ العقل العلمي بحدود أدواته وأن يتعامل مع الظواهر غير المفسرة بوصفها “معطيات مؤجلة الفهم” لا كموضوعات منفية.
التحرر من النزعة الإقصائية: عدم استبعاد الظواهر الخارقة والدينية، بل التعامل معها كمجال يستدعي أدوات جديدة أو مقاربات متعددة.
دمج المناهج: توسيع دائرة المعرفة بحيث يتكامل العلم مع الفلسفة والأنثروبولوجيا واللاهوت، سعياً لرؤية شمولية للوجود.
التفريق بين التفسير والتعليل: ليس مطلوباً من العلم أن يعلل كل ظاهرة، بل أن يفسر ضمن حدود إمكاناته، تاركاً مساحة لمقاربات معرفية أخرى.
إن العقل العلمي، إذا أراد أن يكون أهدى سبيلاً، لا بد له من أن يتحرر من نزعة العلموية التي تحصر الوجود في ما يمكن إخضاعه للتجريب. فالعلم الحق هو الذي يعترف بحدوده، ويمنح الظواهر المستعصية على أدواته مكانها في دائرة البحث، لا في هامش النفي. حينها فقط يصبح العقل العلمي شريكاً حقيقياً في مشروع معرفي أوسع لفهم الوجود، بدلاً من أن يكون وصياً عليه.
