
يُفاخر العقل العلمي بكونه النموذج الأرقى لمقاربة ظواهر الوجود، إذ يزعم الالتزام الصارم بالمنهج التجريبي وما يتيحه من موضوعية وحياد. غير أنّ هذا الزعم يواجه إشكالات جوهرية حين ننظر إلى ممارسات العقل العلمي التاريخية والراهنة، إذ نلحظ انتقائية واضحة في التعامل مع الظواهر، سواء تلك الخارجة عن نطاق الاختبار المباشر أو تلك التي لا تنسجم مع الأطر النظرية السائدة. وهذا يقودنا إلى السؤال المحوري: هل يمكن اعتبار العقل العلمي محايدًا بالفعل، أم أن بنيته ذاتها تحمل في طياتها تحيزات منهجية وأيديولوجية؟
يرى كارل بوبر أن ما يميز العلم عن غيره من أنماط التفكير هو قابلية فرضياته للتكذيب. أي أنّ الظواهر التي لا يمكن إخضاعها للاختبار التجريبي تبقى خارج حقل العلم. هذا الشرط، وإن كان من الناحية المنهجية يضمن صرامة التفكير العلمي، إلا أنه يستبعد بالضرورة طيفًا واسعًا من الظواهر الوجودية، مثل التجارب الدينية أو الخبرات الإنسانية غير القابلة للتكرار.
هنا يجب التفريق بين نوعين من الاستبعاد:
المنهجي: حين يستبعد العقل العلمي الظواهر لأنها غير قابلة للاختبار.
الأيديولوجي: حين تُستبعد الظواهر لأنها تتعارض مع ما هو مقبول ضمن الجماعة العلمية.
الأول قد يكون مبررًا نسبيًا، بينما الثاني يكشف عن نزعة سلطوية للعقل العلمي.
أوضح توماس كون أن العلم لا يسير في خطٍّ تصاعدي متدرج، بل ضمن ما يسميه البرادايم (Paradigm)؛ أي الأطر النظرية التي تحدد ما يُعتبر علميًا وما يُعتبر انحرافًا أو هرطقة. وبهذا المعنى، فإن العلم نفسه يعمل داخل حدودٍ ثقافية ومؤسساتية تجعله يستبعد الظواهر التي لا تجد لها مكانًا في الإطار القائم.
مثال على ذلك: مقاومة المؤسسة العلمية في بدايات القرن العشرين لفكرة ميكانيكا الكم، التي بدت للوهلة الأولى غير قابلة للتصديق.
إمري لاكاتوش حاول التوفيق بين بوبر وكون عبر مفهوم برامج البحث. فكل برنامج علمي يملك “نواة صلبة” يصعب المساس بها، ويُبنى حولها “حزام وقائي” من الفرضيات القابلة للتعديل.
بذلك يمكن القول إن الانتقائية العلمية ليست مجرد خلل عرضي، بل خاصية بنيوية، إذ تسعى البرامج البحثية إلى حماية نواتها حتى على حساب استبعاد ظواهر أو إعادة تأويلها قسرًا.
الظواهر الخارقة، أو المعجزات، أو القدرات الإنسانية غير المألوفة، تمثل مثالًا بارزًا على ما يستبعده العقل العلمي. ليست المشكلة في عدم قبوله بها وحسب، بل في ادعائه الموضوعية بينما يمارس هذا الاستبعاد من دون وعيٍ كافٍ بمعاييره الداخلية. وهذا يضعف زعمه بالحياد، إذ ينكشف أن العلم يتحرك وفق مصالح معرفية وتاريخية وثقافية محددة.
حتى تكون مقاربة العقل العلمي أهدى سبيلا، يقتضي الأمر:
الاعتراف بحدود المنهج العلمي، وعدم التوسع في ادعاءاته على حساب أنماط معرفية أخرى.
إعادة الاعتبار للظواهر غير المفسَّرة كجزء من الواقع، بدل استبعادها قسرًا.
الانفتاح على مقاربات تكاملية بين العلم والفلسفة والدين، تسمح برؤية أوسع لظواهر الوجود.
النزعة التواضعية المعرفية (Epistemic Humility): أي أن يتعامل العلم مع نفسه كأداة جزئية، لا كإطار شامل ونهائي.
العقل العلمي، على الرغم من منجزاته المبهرة، يبقى مقيّدًا بأطر منهجية وتاريخية تجعله أقل حيادًا مما يزعم. لذا فإن الطريق إلى مقاربة أهدى لظواهر الوجود لا يمرّ عبر هدم المنهج العلمي أو استبداله، بل عبر توسيع أفقه ليعترف بالظواهر التي يعجز عن تفسيرها، ويمنحها مكانًا مشروعًا في دائرة التساؤل الإنساني. بهذا فقط يمكن أن يتوازن العقل العلمي مع بقية أنماط الوعي البشري، فيسهم في بناء معرفة أكثر شمولًا وعدلًا بحق ظواهر الوجود.
