
من أدهى الرزايا التي ابتُلِيَ بها الإنسانُ إيثارُه أن يُحمِّلَ غيرَه كاملَ المسؤوليةِ عما آلَ إليه أمرُه أو اقترفته يداه. فالسوادُ الأعظم من البشر لا يجدون غضاضةً في تبرأةِ أنفسِهم من وزرِ ما حلَّ بهم أو ما صدرَ عنهم من قولٍ أو فِعل نجمت عنه أذيةٌ نزلت بساحةِ غيرِهم. ولذلك فإنَّ من العجَبِ العُجاب أن تجدَ إنساناً لا يُبرِّئُ نفسَه من قبيحِ ما صدرَ عنه من أقوالٍ أو أفعال. ولذلك أيضاً فإنَّ ما أقدمت عليه امرأةُ العزيز من إقرارٍ بذنبِها على مسمعٍ ومرأى من جُلاسِ ملكِ مصر ينبغي أن يُنظرَ إليه على أنه فعلٌ يشهدُ لها بما صارت إليه بعد تلك المحنةِ التي ابتلاها اللهُ تعالى بها بتواجدِ سيدِنا يوسف في قصرِها، وما اشتملت عليه تلك المحنة من مراجعةٍ لحالِها مع الله، ومحاسبةٍ صارمة لِما كان منها، وإيقانٍ من بعدُ بأنها أجرمت بحقِّ نفسِها قبل أن تكونَ قد أجرمت بحقِّ سيدِنا يوسف.
وهذا الإيقانُ ما كان لها أن تصلَ إليه لولا ما تضمَّنته تلك المحنةُ من مكابداتٍ ومجاهداتٍ ومعاناة أوجبت عليها أن تقولَ الحقَّ ولا تخشى لومةَ لائم، وأن تنتصرَ ليوسفَ من نفسِها ومن رفيعِ مكانتِها عند عِليةِ المجتمعِ المصري آنذاك. فما قامت به امرأةُ العزيز من شهادةٍ للهِ على نفسِها أمرٌ لا يُقدِمُ عليه إلا مَن كان “اللهُ” عنده “أكبرَ” من كلِّ شيء: من ماضيها الذي كفلته لها مكانتُها الاجتماعية، ومن حاضرِها الذي لم تخشَ أن يكونَ مرآةً لمستقبلِها من بعدِ إقرارِها بذنبِها أمام المَلأ وفي مجلسِ الملِك.
ولذلك قالت امرأةُ العزيز ما حفظته لنا سورةُ يوسف بالكلماتِ القرآنيةِ التالية: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (من 53 يوسف). فما قالته امرأةُ العزيز حكمةٌ بالغة لا تصدر إلا عن قلبٍ فوَّضَ أمرَه إلى الله، وعقلٍ أقرَّ بأن لا إلهَ سواه. وهي كلماتٌ تنطوي على نصيحةٍ وموعظة لا يتَّعظ بهما إلا ذو حظٍّ عظيم. فالنفسُ، كلُّ نفسٍ، لا تملك غير أن تكونَ “أمارةً بالسوء”. ولنمعن النظرَ قليلاً في هذا التوصيفِ الدقيق؛ فالنفسُ ليست “آمرةً” بالسوءِ فحسب، ولكنها “أمارةٌ” بالسوء، طالما كانت عاجزةً عن أن تأمرَ بغيرِه. وهذا قولٌ لا يصدرُ إلا عمَّن خبرَ النفسَ وأحاطَ بما تشتملُ عليه من شرٍّ وسوء.
أما إتباعُ امرأةِ العزيز قولَها “إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ” بقولِ “إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي”، فإنَّ فيه حكمةً مستبطنة مفادها: “إذا كانت النفسُ عاجزةً عن أن تأمرَ بشيءٍ غيرَ السوء، فإنَّ هنالك من عبادِ الله مَن صيَّرَهم حالُهم مع الله أهلاً لأن يرحمَهم اللهُ فيُعينَهم على ألا يسمعوا لما تأمرهم به النفسُ من سوء، فلا يصدرَ عنهم بذلك قولٌ أو فعلٌ يجعلُهم من النادمين”. ولذلك يخطئُ كلُّ مَن يظن أنَّ المقصودَ بـ “إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي” هو أنَّ هنالك عباداً للهِ تعالى لا تأمرُهم أنفسُهم بالسوء. فما يجعلُ الإنسانَ من عبادِ الله المخلَصين هو ليس كونه ذا نفسٍ لا تأمرُه بالسوء، ولكن اختيارَه بألا يصغِيَ لنفسِه هو ما يجعلُه كذلك.
