
لطالما تغنى الفلاسفة والمفكرون بقدرة الإنسان الفائقة على التخطيط والتطلع للمستقبل، معتبرين هذا الوعي أسمى صفاتنا. لكن، هل يمكن أن تكون هذه الميزة في واقع الأمر “وهمًا معرفيًا” يقود إلى هدر واسع للطاقة البشرية؟
نتحدث هنا عن تلك الخاصية الإنسانية الغريبة والمتمثلة في الإصرار شبه الغريزي على عدم الاتعاظ بما آل إليه مصير الآخرين. إنها قناعة صامتة بأنَّ ما حدث لغيري من المستحيل أن يحدث لي. كل إنسان يعيش ويخطط ويراكم الأماني والمشاريع، وكأن لديه ضماناً غير مكتوب يضمن له استثناءً من القاعدة الكونية الأعظم: الموت والفناء المفاجئ.
إن أبلغ مثال على هذه المفارقة هو عجزنا الجمعي عن استيعاب أن مليارات البشر الذين قضوا، انتهت حياتهم وكل واحد منهم كانت لديه مشاريع غير مكتملة، تماماً كحالنا. يستمر كل منا في تخطيط حياته كما لو أنه خالد زمنيًا، محملًا نفسه بـ”دفتر مشاريع” لا ينتهي.
لكن هنا يكمن الجوهر الدقيق للمشكلة: إن هذا التبذير المعرفي لا يُصرف في الأغلب على أهداف نبيلة أو مشاريع حضارية. بل إن الغالبية الساحقة من البشر تنحصر مخططاتهم، وما يسطرونه على الورق أو في الذهن، في عاديات الأمور التي تتعلق بـ”هنا والآن” الممتد: شراء المزيد، السفر الترفيهي، الاستمتاع بالاستجمام، والسعي وراء الرفاهية المفرطة. كثيرون يقضون وقتهم وطاقتهم في أحلام يقظة قوامها الحصول على ما يجعلهم نجوم مجتمع أو مجرد تقليد لنمط حياة الترف والإسراف الذي يروّج له إعلام التابلويد.
هذا الهدر الاقتصادي للطاقة البشرية، بتوجيهها نحو مشاريع لن ترى النور وفي الغالب لا تتجاوز حدود الـ”أنا” الفردية المرفهة، لا نجد ما يماثله عند الحيوان. فالحيوان ينشغل ببرنامج صارم تحدده الطبيعة: البقاء، التكاثر، الغذاء، دون تبديد طاقة في خيال غير مجدٍ.
إذاً، ما هي الغاية التطورية من تزويد الإنسان بهذه القدرة على تبديد الكثير من وقته وطاقته في تعداد وتسطير مشاريع لا تتجاوز الرفاهية الفردية ولا تُثمر بالضرورة تقدماً حضارياً؟
التحليل الأقوى هنا هو التحليل النفسي-الوجودي:
– آلية التخفيف من قلق الفناء: يمتلك الإنسان وعياً كاملاً بحتمية الموت، وهذا الوعي هو مصدر القلق الوجودي الأعظم. إن الإفراط في التخطيط والانغماس في مشاريع الحياة اليومية الممتدة هو آلية دفاع نفسية مُكلفة لكنها فعّالة. إنه يمنح العقل “مُسكِّناً إدراكياً” يجنّبه مواجهة العدم. الانشغال الدائم بالمستقبل – حتى لو كان مستقبلاً مادياً عادياً – يحمينا من الانهيار أمام حقيقة الزوال.
– المنفعة الحضارية كـ”نتيجة عرضية نادرة”: إن قدرتنا على التخطيط اللامحدود، التي يستغلها الغالبية في أحلام الرفاهية، لم تذهب هباءً تماماً. ففي القلة القليلة جداً التي وجهت هذه الطاقة التخطيطية الهائلة نحو أهداف تتجاوز الذات (الاكتشافات، الاختراعات، بناء الحضارات)، تحققت المنفعة التطورية الكبرى. هذه الإنجازات لم تكن الهدف المباشر، بل كانت ثمرة ثانوية نادرة لهذه الميزة التي وُجدت أساساً لتمكين الإنسان من تخطي أزمته الوجودية وإدارك فنائه.
إن وهم الخلود ليس خطأً معرفياً وحسب؛ إنه الضريبة الباهظة التي ندفعها مقابل وعينا. إننا نستهلك كميات هائلة من الوقت والطاقة في “هنا والآن” الممتد، فقط لكي نتمكن من الاستمرار في الأداء والحياة بكفاءة، متجنبين النظر إلى النهاية الحتمية.
يبقى الإنسان الكائن الوحيد الذي يمضي حياته وكأنه يسطر فصلاً لا نهائياً من كتاب، وهو يدرك تمام الإدراك أن النار ستأتي على الورقة حتماً قبل اكتمال القصة. وهذه المفارقة في الإفراط بالتخطيط لزوال مُحتم، هي ما تجعل تجربتنا الإنسانية فريدة، معقدة، ومفعمة بالدراما… وربما هي ما تجعلنا بشراً نستحق التساؤل عن دوافعنا العميقة.
