الإنسان بين البراءة المفقودة والانحطاط التطوري: قراءة مقارنة في Lord of the Flies و The Catcher in the Rye

يحتل الأدب الروائي مكانة محورية في كشف التناقضات الوجودية والوجدانية التي تحكم مسار الإنسان. ومن بين الأعمال الأكثر حضوراً وتأثيراً في الأدب الأمريكي والبريطاني على حد سواء روايتا سيد الذباب (Lord of the Flies) لويليام غولدنغ والحارس في حقل الشوفان (The Catcher in the Rye) لجيروم سالينجر. لم يأتِ اختيارهما ضمن المناهج التعليمية في المدارس الأمريكية عبثاً، بل لأنهّما تقدمان مرآة قاسية لوجه الإنسان الحقيقي، سواء من زاوية انكشاف نوازعه الشريرة الأصيلة، أو من خلال فضح نفاقه الاجتماعي وتناقضاته النفسية.
هذه المقالة تسعى إلى الإجابة عن سؤال مركزي: ما الذي يجعل الطبيعة التطورية للإنسان بهذا القدر من الانحطاط، رغم مسيرة تطور امتدت ملايين السنين وكان يُفترض أن تفضي إلى كائن أكثر رقياً؟

Lord of the Flies — الشر كمعطى أصيل في الإنسان

منذ صدورها سنة 1954، أثارت رواية سيد الذباب صدمة وجودية عميقة في نفوس قرائها، وخصوصاً المراهقين الذين وجدوا أنفسهم أمام نص يصور مجموعة من الأطفال وقد تحرروا من سلطة المجتمع ليعودوا سريعاً إلى الهمجية والعنف.
أهمية الحضور في المناهج التعليمية: لم يكن إدراج الرواية في المدارس الأمريكية من باب الترف الفكري، بل لتضع الناشئة أمام مواجهة مبكرة مع السؤال الجوهري: هل الشر طارئ أم أصيل في النفس البشرية؟
القابلية الفطرية للشر: تكشف الرواية أن قابلية الإنسان لفعل الشر ليست مكتسبة، بل هي intrinsic؛ أي جزء من بنيته الأصيلة التي لا يمكن محوها بسهولة عبر التهذيب الاجتماعي.
التناقض الوجداني: ما يميز النص هو تصويره لتمزق الداخل الإنساني بين نزوع فطري نحو الفوضى والدمار، وبين بقايا وازع اجتماعي هش سرعان ما يتهاوى أمام ضغط الغرائز.
The Catcher in the Rye — النفاق الاجتماعي والهوية المزدوجة
منذ نشرها عام 1951، أصبحت الحارس في حقل الشوفان واحدة من أيقونات الأدب الأمريكي الحديث، وظلت مادة تعليمية رئيسية لعقود طويلة.
المكشاف الاجتماعي: الرواية تفضح نزعة الإنسان إلى ارتداء أقنعة اجتماعية تخفي حقيقته الداخلية، وتبرز ميله إلى التماهي مع القوالب المجتمعية السائدة بحثاً عن القبول والانتماء.
الهوية المزدوجة: تكشف الرواية أن لكل إنسان على الأقل وجهين:
وجه داخلي خفي يمثل ذاته الحقيقية بما فيه من ضعف وتناقض.
وجه خارجي مصطنع يُصمم بعناية ليحظى بمكانة مقبولة اجتماعياً.
أهمية إدراجها في التعليم: الهدف لم يكن تحطيم براءة المراهقين، بل دفعهم إلى مواجهة مبكرة مع واقع النفاق الاجتماعي الذي سيتعين عليهم التعامل معه عند الدخول في الحياة العامة.

المقارنة بين الروايتين

سيد الذباب تنكشف فيه حقيقة الشر الأصيلة في الإنسان عندما يسقط قناع الحضارة.
الحارس في حقل الشوفان يعرّي الجانب الآخر من الطبيعة البشرية: التلاعب الاجتماعي والنفاق الذي يفرضه ضغط الانتماء إلى الجماعة.
كلاهما معاً يقدمان صورة مركبة للإنسان: كائن قادر على الشر الغريزي من جهة، وعلى النفاق الاجتماعي من جهة أخرى، بما يعكس تناقضاته الوجودية الأعمق.

التساؤل التطوري الفلسفي

هنا يطرح السؤال القاسي نفسه:
إذا كان الإنسان هو حصيلة رحلة تطورية امتدت ملايين السنين، لماذا انتهت به الطبيعة إلى كائن يرزح تحت وطأة الشر الفطري والنفاق الاجتماعي معاً؟
المنظور التطوري التقليدي يفترض أن الانتقاء الطبيعي يكافئ السلوكيات التي تضمن بقاء النوع. لكن الشر والاحتيال الاجتماعي ليسا مجرد طوارئ؛ بل سمات متجذرة.
إمكانية التفسير: قد يكون الشر أداة للبقاء في ظروف الصراع، كما قد يكون النفاق الاجتماعي ضرورة لضمان الانخراط في الجماعة.
المفارقة: النتيجة أن ما نظنه “انحطاطاً تطورياً” ربما لم يكن سوى ثمن البقاء. لكن هذا الثمن جعل الإنسان كائناً محكوماً بالتناقض، أشد ضعفاً أمام ذاته مما هو أمام الطبيعة.

خاتمة
إن روايتي Lord of the Flies و The Catcher in the Rye ليستا مجرد نصوص مدرسية، بل وثيقتان أدبيتان فلسفيتان تكشفان عن الوجه الحقيقي للإنسان. الأولى تبرهن على أصالة الشر في داخله، والثانية تفضح نفاقه الاجتماعي. وإذا ما جمعنا الصورتين خرجنا بتساؤل معرفي لا يقل قسوة عن مضمون الروايتين: هل كانت رحلة التطور الطويلة سوى طريق ملتوٍ أفضى إلى كائن ممزق بين غرائزه الشريرة وأقنعته الاجتماعية، ليظل أسيراً لما يبدو أنه انحطاط تطوري مقنّع برتوش الحضارة؟

أضف تعليق