الانحطاطُ التطوري للطبيعة كما تُجلِّيه سلوكياتُ الإنسان

على الرغم من كونِ المقاربةِ الداروينية لنشوءِ وارتقاءِ الكائناتِ الحية قد اتصفت بالتزامٍ صارمٍ بالمنهجِ العِلمي، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بما تتشاركُه هذه الكائنات من تشابهاتٍ بنيوية تبلغ أحياناً حدَّ التماثل والتطابق بنسبةِ 95%، إلا أن هذه المقاربةَ في المقابل تنطوي على إخفاقٍ ذريع في تبيُّنِ ما تتمايزُ به سلوكياتُ الإنسان عن سلوكياتِ غيرِه من الكائناتِ الحية. فكيف بإمكانِنا أن نعلِّلَ لعدوانيةِ الإنسانِ المفرطة، ولنشاطه الجنسي المنفرط، ولتدنِّي مناعتِه الجسمانيةِ والنفسية، ولكلِّ ما تنطوي عليه سلوكياتُه من خروجٍ على الطبيعةِ وقوانينِها؟ ولماذا كفَّت الطبيعةُ عن ملاحقةِ الإنسان وتتبُّعِ حركاتِه وسكناتِه، وترصُّدِ كل ما يصدر عنه من قولٍ وفعل، وذلك كما تفعل مع الحيوان الذي حاصرته بنظامٍ منهجي لم تُتِح له رفاهيةَ الخروجِ عليه وحريةَ التصرُّفِ بما يتعارضُ مع ضوابطِه ومحدِّداتِه؟ فهل يُعقل أن تعاملَ الطبيعةُ كائناتِها بهذا “التمييز النوعي”؛ فتكفل للإنسانِ رفاهيةً وحرية في التعاملِ مع قوانينِها في الوقتِ الذي تُلزِمُ الحيوانَ بوجوبِ ألا يحيدَ عنها؟ وإذا كان كلُّ ما يصدرُ عن الحيوان بالإمكانِ تفسيرُه وفقاً لركنٍ من أشدِّ أركانِ المسارِ التطوري للكائناتِ الحية ثباتاً ورسوخاً، ألا وهو منفعتُها التطورية، فلماذا نعجز عن تبيُّنِ هذه “المنفعةِ التطورية” من وراءِ كلِّ ما يشوب سلوكياتِ الإنسان من شذوذٍ عن الطبيعة وخروجٍ سافرٍ على قوانينِها وتحدٍّ صارخ لضوابطِها ومحدِّداتِها؟ ألا تضطرُّنا الإجابةُ على هذه الأسئلةِ مجتمعةً إلى ضرورةِ الحكمِ بأنَّ الإنسانَ، وبهذا التسيُّبِ والانفلاتِ الذي لا نجد ما يضارعُه في عالَمِ الحيوان، لا يمثِّل “فلتة تطورية” فحسب، ولكن “انحطاطاً تطورياً” ليس بمقدورِنا أن نحددَ السببَ من ورائه أما وأنَّ الإنسانَ، وبما يمثِّله تطورُه البايولوجي من تفوقٍ يجعله في قمةِ الهرمِ التطوري للطبيعة، هو في ذات الوقت يمتاز بسلوكياتٍ تضطرُّ متدبِّرَها إلى الحكمِ على صاحبِها بأنه من أحطِّ الكائنات.

أضف تعليق